قراءة تحليلية| أمن الطاقة.. هل تدخل المنطقة مرحلة جديدة من قواعد الاشتباك؟

حرب أمريكا وإيران - ارشيفية
حرب أمريكا وإيران - ارشيفية


أدى تصاعد التوترات في منطقة الخليج، إلى تتزايد المخاوف من تداعيات أي استهداف لمنشآت الطاقة أو التلويح بها، سواء بشكل مباشر أو عبر رسائل رمزية تحمل أبعادًا سياسية وعسكرية معقدة، حيث يرى سياسيون أن التحركات الإيرانية الأخيرة تعكس تحولًا لافتًا في قواعد الاشتباك، وتفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة قد تمس أمن الطاقة العالمي وتعيد تشكيل موازين العلاقات الإقليمية.

وفي هذا السياق، تتباين التحليلات بين أبعاد سياسية وقانونية واستراتيجية، حيث يحذر خبراء من أن استهداف منشآت حيوية قد يفاقم حالة عدم الاستقرار، ويضع علاقات طهران مع دول الخليج أمام اختبار صعب، في وقت لا تزال فيه المنطقة تبحث عن مسارات للتهدئة وإعادة بناء الثقة.

 

◄ جدوى استهداف إيران للخليج

 

فى هذا السياق، أكد الدكتور أحمد يوسف أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أنه يحرص دائمًا على عدم التعليق على معلومات غير مؤكدة، مشيرًا إلى أن ما يُتداول بشأن كتابة أسماء حقول الغاز القطرية على بعض الصواريخ الإيرانية قد يكون مجرد أخبار غير دقيقة، ولا يمثل عنصرًا حاسمًا في تحليل المشهد.

وأوضح يوسف في تصريحات خاصة لـ" بوابة أخبار اليوم"، أن الثابت هو أن إيران اختارت الرد على ما تصفه بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي عبر استهداف قواعد وأهداف أمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو منطق يمكن فهمه في إطار رؤيتها للصراع، حتى وإن لم يكن محل اتفاق.

وأضاف أن الإشكالية الحقيقية تكمن في أن بعض الهجمات الإيرانية لم تقتصر على الأهداف الأمريكية، بل امتدت لتشمل منشآت مدنية خليجية، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول جدوى هذه الأهداف عسكريًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرافق حيوية مثل محطات تحلية المياه التي تخدم بالأساس شعوب المنطقة.

 

◄ تقويض مسار إعادة بناء الثقة بين إيران والخليج

 

ورأى أن هذا السلوك قد يعكس خللًا في عملية صنع القرار داخل إيران، ربما نتيجة تصاعد نفوذ التيارات المتشددة التي لا تضع في اعتبارها طبيعة العلاقات مع دول الخليج، ولا تميز بالشكل الكافي بين الأهداف العسكرية والمدنية.

وأشار إلى أن هذه التطورات جاءت في وقت كانت فيه العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون قد شهدت تحسنًا ملحوظًا، خاصة بعد الاتفاق السعودي الإيراني بوساطة صينية في مارس 2023، إلا أن الحرب الأخيرة وما تبعها من تصعيد قد أضر بشكل كبير بهذا التقارب.

واختتم الدكتور أحمد يوسف تصريحه بالتأكيد على أن هذه السياسات أسهمت في تقويض مسار إعادة بناء الثقة بين إيران ودول الخليج، وأن استعادة العلاقات إلى سابق عهدها ستتطلب جهودًا كبيرة ومعالجات جادة لتداعيات المرحلة الحالية.

 

◄ انتهاك فادح للقانون الدولي يضع أمن الطاقة العالمي على المحك

 

بدوره، أكد الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام أن الضربات الإيرانية على منشآت رأس لفان القطرية وظهور أسماء حقول الغاز القطرية على صواريخ إيرانية خلال استعراض عسكري في طهران يمثل تطوراً خطيراً يستدعي تحليلاً قانونياً دقيقاً لفهم أبعاده والتداعيات المحتملة على العلاقات الثنائية والنظام الإقليمي.

وأوضح مهران في تصريحات خاصة لـ" بوابة أخبار اليوم"، أن إيران استهدفت فعلياً منشآت رأس لفان في مارس 2026 بصواريخ باليستية أخرجت أكثر من 3 بالمائة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية من السوق، موضحاً أن هذا الاستهداف يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة 2 فقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية لأي دولة.

ولفت مهران إلى أن التفسير القانوني والاستراتيجي لهذا الاستهداف الغامض يتمحور حول نظرية الضغط الاقتصادي الشامل، موضحاً أن إيران تسعى لتعطيل إمدادات الطاقة العالمية لإجبار المجتمع الدولي على الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف الحرب، مشيراً إلى أن استهداف قطر رغم العلاقات الجيدة بينهما يعكس استراتيجية إيرانية لا تفرق بين حليف وخصم عندما يتعلق الأمر بأهداف استراتيجية.

 

اقرأ ايضا| شبح المواجهة بين قطر وطهران.. هل تمتد ضربات إيران إلى حليفها الخليجي؟

 

وأضاف أن وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن أكد أن الهجمات الإيرانية على قطر تمثل نهجاً تصعيدياً ولا تظهر أي رغبة حقيقية في التهدئة، موضحاً أن قطر أعلنت أنها ستتصدى لأي اعتداء وفق حقها في الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

 

◄ هل تعيد قطر تقييم علاقاتها الاستراتيجية مع إيران؟

 

وحول تأثير ذلك على العلاقات القطرية الإيرانية، شدد الدكتور مهران على أن استهداف منشآت مدنية حيوية ووضع أسمائها على صواريخ باليستية يمثل تهديداً مباشراً يتجاوز الخلافات السياسية العابرة، محذراً من أن قطر اعتقلت 10 أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بالحرس الثوري الإيراني وكشفت خليتي تجسس وتخريب.

وأشار إلى أن هذه التطورات ستدفع قطر حتماً لإعادة تقييم علاقاتها الاستراتيجية مع إيران، موضحاً أن التوازن الدقيق الذي حافظت عليه الدوحة بين علاقاتها مع طهران وواشنطن أصبح مهدداً بشكل جدي.

وأكد أستاذ القانون الدولي أن استهداف منشآت طاقة مدنية يشكل انتهاكاً للمادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف التي تحظر الهجمات على الأعيان المدنية، وكذلك المادة 54 محذراً من أن هذا قد يرقى لجريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي.

وختم بأن استمرار التصعيد الإيراني ضد دول الخليج سيؤدي لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بشكل جذري ويهدد أمن الطاقة العالمية.

 

◄ الصواريخ الإيرانية تحمل دلالات رمزية وسياسية مقلقة

 

من جانبه، قال المستشار حسين أبو العطا، عضو مجلس الشيوخ، رئيس حزب “المصريين”، وعضو المكتب التنفيذي لتحالف الأحزاب المصرية، إن التقارير التي تتحدث عن كتابة أسماء منشآت حيوية مثل "رأس لفان" أو "غاز قطر" على الصواريخ الإيرانية تحمل دلالات رمزية وسياسية مقلقة تخرج عن سياق التحالف.

وأضاف "أبو العطا"، في تصريحات خاصة لـ"بوابة أخبار اليوم"، أنه في العرف العسكري لبعض القوى الإقليمية، تُستخدم الكتابة على الصواريخ لإيصال رسائل سياسية مشفرة، واستهداف أو ذكر أسماء حقول الغاز قد يكون رسالة مفادها أن أمن الطاقة الإقليمي وحدة واحدة، وأن أي استهداف لمصادر الطاقة الإيرانية مثل حقل بارس الجنوبي المشترك سيقابله تهديد مباشر لمصادر الطاقة في الطرف الآخر، بغض النظر عن طبيعة العلاقات الدبلوماسية.

وأوضح رئيس حزب “المصريين”، أن هذه الحركة قد تهدف إلى الضغط على الوسيط القطري لرفع سقف مطالب طهران في مواجهة الضغوط الدولية، عبر التلميح بأن حياد المنطقة أو استضافتها لقواعد أجنبية لم يعد كافيًا لحمايتها من تداعيات الصراع الشامل، مشيرًا إلى ان العلاقة بين الدوحة وطهران هي علاقة جوار براغماتي وتنسيق اقتصادي بسبب حقل الغاز المشترك وليست تحالفًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، وأسباب الاستهداف سواء كان مباشرًا كما حدث لقاعدة العديد أو غير مباشر كتهديد المنشآت تعود لعدة نقاط، أبرزها أن طهران ترى في قاعدة "العديد" منطلقًا للعمليات الاستخباراتية أو العسكرية الأمريكية، وفي لحظات الصدام المباشر مع واشنطن، يعتبر الحرس الثوري الإيراني أي جغرافيا تضم أصولًا أمريكية هدفًا مشروعًا، متجاوزًا بذلك اعتبارات حسن الجوار مع الدولة المضيفة.

ولفت إلى أن إيران تحاول جرّ المنطقة بالكامل إلى دائرة الصراع لرفع تكلفة أي هجوم عليها، وإجبار القوى الدولية على التراجع خشية انهيار إمدادات الطاقة العالمية التي تعد قطر شريانها الرئيسي، مؤكدًا أننا أمام اختبار صلابة غير مسبوق لهذه العلاقة، فالتصريحات القطرية الرسمية التي وصفت بعض العمليات بأنها انتهاك صارخ للسيادة تؤكد أن الندوب التي خلفتها هذه الأحداث لن تندمل سريعًا، والدوحة التي لعبت دور الوسيط النزيه لسنوات تجد نفسها الآن في وضع حرج بين التزاماتها الأمنية مع الغرب وجوارها الصعب مع الشرق.

وأكد أن هذا الاستهداف دفع قطر ودول المنطقة لتعزيز منظوماتها الدفاعية والبحث عن ضمانات أمنية أكثر حزمًا، مما قد يُقلل من مساحة الدبلوماسية الهادئة التي كانت تميز علاقة الطرفين، موضحًا أنه رغم التوتر، يظل حقل الغاز المشترك "بارس الجنوبي/حقل الشمال" قيدًا جغرافيًا واقتصاديًا يمنع الطرفين من الوصول إلى قطيعة كاملة، مما سيجبرهما في النهاية على العودة لطاولة المفاوضات لتبريد الأجواء.

ودعا إلى تجنيب المنشآت المدنية والاقتصادية الصراعات العسكرية، لأن استهداف عصب الطاقة في الخليج لا يضر دولة بعينها فحسب، بل يهدد الاستقرار العالمي والأمن المعيشي لشعوب المنطقة كافة.

 

◄ صواريخ إيران بريد سياسي مشفر بالبارود يستهدف منشآت قطر

 

من جهته، قال المهندس إيهاب محمود، الأمين العام المساعد لحزب الجيل الديمقراطي بالإسكندرية، إن ظهور صواريخ إيرانية تحمل أسماء منشآت حيوية قطرية ليس مجرد خطأ فني أو تصرف فردي، بل هو رسالة سياسية مشفرة بالبارود، موضحًا أنه في عالم الصراعات، الصاروخ ليس وسيلة تدمير فقط، بل هو بريد سياسي، وحين يكتب الحرس الثوري الإيراني أسماء مثل "حقل الشمال" أو "رأس لفان" على ترسانته، فهو يخرج من عباءة الحليف الإقليمي ليرتدي قناع المهدد الوجودي.

 

اقرأ ايضا| حروب بلا جنود.. كيف تغير التكنولوجيا ميزان القوة العالمي؟

 

وأضاف "محمود"، في تصريحات خاصة لبوابة "أخبار اليوم"، أن هذا الفعل يهدف إلى تحطيم الحصانة النفسية للطرف الآخر، مؤكدًا أنها محاولة لقول: "لا توجد خطوط حمراء إذا استُهدفت مصالحنا، حتى مع من نتقاسم معهم الغاز".

وأوضح أنه قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن في العقيدة العسكرية لبعض القوى الإقليمية فإن الضرورات تبيح المحظورات، واستهداف قطر يأتي لعدة محركات استراتيجية، أولها عقيدة الأرض المضيفة، فطهران لا تنظر لقطر كدولة مستقلة في لحظة الحرب، بل تراها منصة لوجستية للقوات الأمريكية، وبالنسبة للحرس الثوري، وجود قاعدة "العديد" يجعل من الجغرافيا القطرية جزءًا من مسرح العمليات الأمريكي، وبالتالي تصبح الأهداف القطرية في مرماهم كأداة للضغط على واشنطن.

ولفت إلى أن إيران تعاني من حصار خانق وضغوط على صادراتها من الطاقة، واستهداف حقول الغاز القطرية هو رسالة للعالم بأن تأمين تدفق الطاقة لن يكون لجهة دون أخرى، وإذا حُرمت إيران من بيع غازها، فإنها تلوح بقدرتها على شل حركة الطاقة العالمية المنطلقة من سواحل جيرانها، مؤكدًا أن إيران تريد إفهام الدوحة أن الحياد لم يعد كافيًا، وأن عليها الاختيار بين استمرار التسهيلات العسكرية الأمريكية أو الحفاظ على أمن منشآتها النفطية.

وأشار إلى أنه بكل تأكيد أننا أمام منعطف تاريخي في العلاقات القطرية الإيرانية، ولن تعود الأمور كما كانت لعدة أسباب، أولها انكسار جدار الثقة، فالدبلوماسية القطرية طالما دافعت عن حق إيران في الاستقرار وحفظت شعرة معاوية معها في أحلك الظروف، وأن يأتي الرد بالاستهداف المباشر أو التهديد العلني للصناعة التي تمثل شريان الحياة لقطر، فهذا يعني أن رصيد الثقة قد نفد، علاوة على أن هذا التهديد سيدفع الدوحة حتمًا نحو تعميق تحالفاتها الدفاعية مع القوى الدولية والإقليمية، وربما المطالبة بنشر منظومات دفاعية أكثر تطورًا، مما يزيد من عسكرة المنطقة، وهو ما كانت تحاول قطر تجنبه دائمًا.

ولفت إلى أنه قد تستمر القنوات الدبلوماسية مفتوحة بحكم الجوار الجغرافي والحقل المشترك، لكنها ستكون علاقة إدارة أزمة وليست علاقة تعاون وبناء، مشددًا على أن استهداف المنشآت الاقتصادية في دول الجوار هو مقامرة خطيرة لا تخسر فيها الدولة المستهدفة فحسب، بل يفقد فيها المهاجم آخر جسوره مع المحيط الإقليمي، واستقرار قطر من استقرار المنطقة، وأي مساس بأمن الطاقة هو مساس بالأمن السلم العالمي، وهو ما لن يقبله المجتمع الدولي بصمت.