وهكذا مرَّ علىّ يوما الأحد والاثنين 30 و31 من يناير وأنا ما زلت فى الميدان لم أغادره إلى بيتى، يرافقنى فيه أصدقائى الثلاثة: «حلمى»، وتلك اللوحات الفنية والعبقرية التى جسدها المصريون فى الميدان، وصديقاى أحمد زهران ومحمد كروم.
وقد أُضيف إليهم صديقنا الرابع، ذلك الوافد الجديد من الشابات والشبان الذين انضموا إلى مبادرتى: (بنحب البلد دى).
كنا نتجول ذهاباً وإياباً فى أرجاء الميدان، ونتردد على «حزب التجمع» و«قهوة عم صالح» لمتابعة آخر المستجدات عبر القنوات الفضائية، إلى أن وصلنا ليوم الثلاثاء، الأول من فبراير.
في هذا اليوم كانت الدعوة للمليونية الثانية بالميدان للمطالبة بتحقيق مطالب الثورة السبعة، والتى دُوّنت على لافتة كبيرة عُلقت على إحدى البنايات الكبرى بميدان التحرير. وكان على رأس هذه المطالب:
إلغاء المادة 76 من الدستور (الخاصة بآلية الترشح للرئاسة ومنع التوريث).
حيث كانت مليونيتهم الأولى يوم الأحد، والثانية يوم الثلاثاء وبينما نحن على هذه الحالة من الحماسة والمشاعر الفياضة حيث ارتسمت على وجوه المصريين ابتسامات الفرح والسرور ابتهاجاً بإحساسهم أن الثورة قد بدأت تنجح، كانت هناك خلف الكواليس اجتماعات ماراثونية تعقد مع القوى المؤثرة فى مشهد ميدان التحرير وعلى رأسها جماعة الإخوان التى كانت تعقد تحت رعاية وحضور اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة المصرية آنذاك وممثلا عن الرئيس مبارك لعقد صفقة مع هذه القوى تمكنه من امتصاص هذه الهبَّة الجماهيرية، وبالتالى تذهب إلى أدراج الرياح وكأن شيئاً لم يكن؛ حيث تيقن الرجل - أى عمر سليمان - بما توافر لديه من معلومات تمكنه من معرفة كنه هذه القوى وأن غالبيتها تبحث عن مصالحها الشخصية ومكاسبها وغنائمها بعكس ما تظهره لنا من شعارات رنانة وخطابات حماسية على منصة ميدان التحرير، التى أقاموها أمام شركة سياحية من مطعم شهير لكى تتوسط الميدان وقد نجحت الآلة الإعلامية للإخوان تساندها الآلة الإعلامية الجبارة لقناة الجزيرة فى الترويج لفكرة مفادها أن جماعة الإخوان هى القوة الرئيسية المحركة لثورة يناير والمسيطرة على ميدان التحرير بعد أن تصدر مشهد الميدان قيادات الإخوان وكان من أبرزهم د. محمد البلتاجى ود. صفوت حجازى ( المتحالف مع الإخوان ) وقيادات أخرى أقل بروزاً مثل: د. حازم فاروق، د. عصام العريان، د. جمال عبد الهادى وغيرهم.
وكانت الجماعة تتعامل بهذا المنطق مع اللواء عمر سليمان ومع كافة القوى السياسية على اختلاف تنوعاتها ودرجاتها الموجودة بميدان التحرير، لقدرتها التنظيمية الفائقة على الحشد والتنظيم، بما يوحى بأن هذه الملايين التى نزلت إلى الميدان وكأنها تنتمى لجماعة الإخوان، وكانت الجماعة كعادتها فى الانتصار لأجندتها الخاصة على حساب أجندة الوطن حيث سعت لعقد صفقة مع نظام مبارك ممثلاً فى اللواء عمر سليمان عليه رحمة الله، تأخذ بموجبه جماعة الإخوان اعترافاً رسمياً بشرعيتها ورفع الحظر الذى كان مفروضاً عليها، والإفراج عن خيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة الذى كان محبوساً على ذمة إحدى القضايا، والسماح بإقامة حزب سياسى يكون بمثابة الذراع السياسية للجماعة.
وبالفعل تمت الموافقة على هذه المطالب مقابل انسحاب الجماعة من الميدان ومحاولة لفض هذه الجموع المحتشدة فى كافة ربوع ميادين مصر، على اعتبار أن الجماعة هى المحرك الرئيسى لتلك الحشود. وبعد إتمام هذه الصفقة السياسية أطل علينا الرئيس مبارك ليلتها فى خطاب ملىء بالمشاعر الفياضة ودغدغة عواطف الجماهير، وهذه خصيصة من خصائص الشعب المصرى تؤثر فيه العاطفة بشكل كبير، وهذا ما عرف بـ (الخطاب العاطفى).
وكانت أكثر الجمل تأثيراً على قلوب المصريين: «إننى ولدت على أرض هذا الوطن وأريد أن أموت فيه (ولا يريد أن يغادره) كما فعل مثلاً الرئيس التونسى» زين العابدين بن على الذى فرّ من تونس وغادرها حيث وقعت أحداث ما عُرف بثورة الياسمين، أو الثورة التونسية وقال جملته الشهيرة (أنا فهمتكم) وغادر بعدها البلاد، كنت أنا وصديقى محمد كروم نستمع إلى ذلك الخطاب بأحد المقاهى الكائن بشارع شامبليون وبمجرد أن سمعنا أول جملتين من الخطاب أدركنا أنه فخ وكمين ومناورة سياسية من الرئيس الأسبق حسنى مبارك ليمتص غضب هذه الجماهير المحتشدة بميادين مصر، وبالتالى يمتص من احتشاد الجماهير بتلك الميادين، وخاصة بعد إعلان الرئيس الأسبق أنه لن يترشح للدورة القادمة ولم يتبق سوى ستة أشهر من تلك الفترة الرئاسية المتبقية له وقال عبارته الشهيرة فى ذلك الخطاب (إننى لا أنتوى الترشح لفترة رئاسية جديدة).
فذهبت أنا وصديقى محمد كروم مسرعين إلى الميدان عبر شارع شامبليون ونحن نردد ونهتف: يسقط يسقط حسنى، وكانت الصدمة حيث فوجئنا بأن ميدان التحرير كان خالياً إلا من بضع مئات من الثوار لا يتجاوزون الألفى مواطن،حيث غادرت جماعة الإخوان الميدان وأزالوا الخيام التى أقاموها فى الميدان وتركوا الميدان عن بكرة أبيهم.
وكان هذا انتصاراً عظيماً لهذا الخطاب العاطفى الذى كاد أن ينهى استمرارية تلك الثورة والقضاء عليها فى مهدها، بعد أن عقد النظام صفقته مع هذه الجماعة نهارا، واستمال الجماهير بخطابه العاطفى ليلاً.. ولولا وقوع حادثة الجمل فى اليوم التالى لتم القضاء على الثورة تماما، فقد أعطت موقعة الجمل قبلة الحياة مرة أخرى لثورة يناير.
هذه الموقعة التى شاركت فيها أطرف عديدة أعادت الثورة مرة أخرى إلى الميدان..
نلتقى فى الحلقة القادمة بإذن الله تعالى لنسلط
الضوء على أحداث يوم الأربعاء 2 فبراير المعروف
باسم (موقعة الجمل).
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







