الغربية : ماجدة شلبي
مع حلول موسم الكتان في محافظة الغربية لا يقتصر المشهد على حركة زراعية نشطة أو نقل محصول من الحقول إلى أماكن التجميع والتعطين فحسب بل يتشكل واقع موازٍ على الطرق واقع تتحول فيه الشوارع إلى مسارات مفتوحة لجرارات ثقيلة تسير بلا تنظيم حقيقي وبلا ضوابط حاسمة وسط بيئة مرورية غير مهيأة لتحمل هذا النوع من النقل.
في ساعات الصباح الأولى تبدأ الجرارات في الخروج تباعًا من الأراضي الزراعية محمّلة بالكتان في مشهد يبدو من بعيد منظمًا لكنه في الحقيقة يحمل داخل تفاصيله خللًا واضحًا.
الجرار الواحد لا يكتفي بحمولة محددة بل يُكدّس فوقه المحصول إلى أقصى ارتفاع ممكن ثم يجر خلفه مقطورة وفي كثير من الأحيان مقطورتين في محاولة لتقليل عدد الرحلات وزيادة العائد دون اعتبار لتأثير ذلك على التوازن أو السلامة.
ومع انتقال هذه الجرارات من الطرق الزراعية إلى الشوارع العامة تبدأ الأزمة في الظهور بوضوح.
في الطرق الرئيسية تتحول حركة الجرار البطيئة وثقل حمولته إلى نقطة اختناق مروري؛ حيث تتراكم المركبات خلفه وتبدأ محاولات التجاوز في مساحات غير كافية ما يرفع احتمالات الاحتكاك أو التصادم.
أما داخل القرى، حيث الشوارع الضيقة والمناطق السكنية المزدحمة فإن مرور جرار واحد فقط قد يكون كافيًا لإغلاق الطريق بالكامل خاصة مع امتداد المقطورات خلفه وعدم وجود أي مسارات بديلة.
ولا يقتصر التأثير على السيارات فقط بل يمتد إلى الدراجات البخارية والتكاتك التي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع كتلة ضخمة لا يمكن التنبؤ بحركتها في بيئة مرورية تفتقر إلى أي إشارات تنظيمية واضحة أو إجراءات أمان كافية.
الخلل الأكبر لا يكمن فقط في شكل الجرار أو حجمه بل في طبيعة الحمولة ذاتها.
الكتان حين يُكدّس بشكل عشوائي يتحول إلى كتلة مرتفعة وغير متزنة ترفع مركز الثقل إلى مستوى خطير ما يجعل الجرار أكثر عرضة للانقلاب خاصة عند المنحنيات أو المطبات أو الطرق غير الممهدة.
وفي كثير من الحالات يتجاوز ارتفاع الحمولة مستوى أسلاك الكهرباء المارة فوق الطرق خصوصًا داخل القرى وهو ما يخلق نقطة تماس مباشرة بين مادة سريعة الاشتعال مثل الكتان ومصدر كهربائي مفتوح لتتحول لحظة الاحتكاك إلى شرارة والشرارة إلى حريق قد يمتد خلال ثوانٍ.
هذه الحرائق لا تقتصر خطورتها على الجرار نفسه بل تمتد إلى محيطه بالكامل خاصة إذا وقع الحادث بالقرب من منازل سكنية أو محطات وقود أو تجمعات بشرية حيث يصبح التحكم في الموقف أكثر صعوبة والخسائر المحتملة أكبر.
ورغم تكرار هذه المشاهد لا تزال حركة جرارات الكتان تتم داخل الكتل السكنية وتمر بين الأطفال والمارة دون خطوط سير محددة أو توقيتات منظمة أو رقابة كافية تضمن الحد الأدنى من السلامة.
ومع غياب الضوابط الصارمة تتحول هذه الجرارات من وسيلة لنقل محصول زراعي إلى عنصر خطر يومي يتكرر مروره في نفس الشوارع بنفس الطريقة وبنفس الاحتمالات المفتوحة.
الأخطر من ذلك أن هذه المخاطر لم تعد مجرد احتمالات بل تحولت إلى وقائع، بأدق حوادث دهس انقلابات مفاجئة أو حرائق نتيجة تماس كهربائي، والنتيجة ضحايا تتكرر أسماؤهم في فترات زمنية متقاربة، وبين كل حادث وآخر يبقى المشهد كما هو؛ جرار جديد يمر وطريق جديد يُغلق، وخطر جديد ينتظر لحظته.
الحادث
«رمضان كان بيقولي أنا سندك يا ماما»، داخل منزل بسيط بقرية ميت هاشم التابعة لمركز سمنود لا تزال آثار الطفل (رمضان) حاضرة في كل زاوية كراسة صغيرة على الطاولة ملابس مطوية بعناية وصوت غائب لا يزال يتردد في ذاكرة أم لم تستوعب حتى الآن أن ابنها لن يعود.
تجلس الأم (أميرة)ممسكة بكراسة ابنها تمرر يدها على الصفحات ببطء وتقول: «دي آخر حاجة كتبها كان فرحان أوي وهو بيوريني واجبه يقولي شوفي يا ماما أنا شاطر ازاي»، كان دايمًا يقولي أنا هساعدك أنا سندك يا ماما رغم إنه لسه صغير.
تبكي الأم وتقول: «في اليوم ده نزل معايا الحقل زي كل يوم كان بيلعب جنبي وأنا قعدت آكل بعد الشغل، فجأة لقيت الناس بتجري وبتقول الجرار الجرار جريت عليه بس كان خلاص، أنا مش فاكرة غير صرخة ابني، راح في لحظة آخر كلمة قالهالي ماتزعليش يا ماما هو كان بيطمني هو اللي كان بيقويني».
أما الأب محمود سليمان يقف في صمت للحظات قبل أن يقول بصوت يحمل غضبًا لا يقل عن حزنه: «ابني مات بسبب إهمال طفل واقف جنب أمه، جرار يتحرك بسرعه كده إزاي»؟!،
ثم يضيف بحزم: «أنا مش بطلب حاجة غير حقه عايز اللي غلط يتحاسب علشان اللي حصل ده مايتكررش».
حادث آخر
«فريد شوقي.. خرج من الدرس مرجعش»..،
في قرية كفر ششتا التابعة لمركز زفتي لا يزال الطريق الذي سلكه (فريد) يومها كما هو لكن نظرة الأهالي إليه تغيرت تمامًا، الأستاذ إيهاب خليفة خيال عم الطفل يسترجع اللحظة: «فريد كان لسه راجع من الدرس ماشي عادي زي أي طفل، الجرار دخل بسرعة ومعاه مقطورتين الشارع ضيق ومفيش فرصة لحد يتحرك كل حاجة حصلت في ثواني محدش لحق ينقذه».
أحد أقاربه يضيف: «إحنا مش بنطلب تنظيم سير هذه الجرارات، مش عايزين نشوف عيالنا بتموت كده».
«وحسن فودة كان حافظ كتاب ربنا»، في كفر الزيات الحزن مختلف لأن (حسن) لم يكن مجرد طفل بل كان مشروع قارئ للقرآن، أحد أقاربه يروي لحظة الخبر قائلا: «خرج بدراجته زي أي يوم وفي لحظة جرار خبطه وكل حاجة انتهت».
وعلى كوبري الرباط بالمحلة الكبرى سقط شاب ثالث، لم تكن هناك مقدمات، يقول أحد شهود العيان: «الشاب كان ماشي في حاله الجرار جاي بسرعة خبطه ومكمل الناس جريت بس مفيش فايدة، الموضوع بيتكرر ونفس السيناريو ومفيش تغيير».
كارثة تتكرر بلا توقف المشاهد واحدة والظروف واحدة، والنهاية غالبًا واحدة، جرارات محمّلة فوق طاقتها، مقطورات متعددة وطرق ضيقة وغياب رقابة فعالة من مجلس المدينة، وفي كل مرة يدفع إنسان الثمن.
مناشدة عاجلة
إلى الجهات المختصة بمجلس المدينة وإدارة المرور، لم يعد ما يحدث مجرد تجاوزات بل خطر يومي واضح يطالب الأهالي بتحرك فوري ومنع سير جرارات الكتان داخل الكتل السكنية، وتحديد حمولة قانونية صارمة، وحظر جر أكثر من مقطورة، وتحديد مسارات آمنة، وتكثيف الحملات المرورية، وتطبيق عقوبات رادعة.
كل يوم تأخير يعني خطر جديد.
ويبقي السؤال الأخير: رمضان _فريد_الحسن وشاب كوبري الرباط أسماء رحلت لكن الخطر لم يرحل، فهل ننتظر الاسم القادم أم يتحول هذا الملف إلى قرار ينقذ ما تبقى؟!
اقرأ أيضا: مصرع 3 أشخاص في تصادم دراجة نارية وعربة كارو بالغربية
المشعوذون.. وتجارة العلاج باسم الدجل
بأمر الأم.. الأبناء تحولوا إلى قتلة
ضبط 50 طنًا بودرة سامة داخل مصنع بالدقهلية كانت ستتحول لأطباق طعام







