لم أعثر من خلال كل منصات البحث عن اليوم الذى توفى فيه الأمير يوسف كمال، كل ما عثرت عليه أنه توفى فى شهر أبريل عام 1969 بالنمسا، واليوم نحيى ذكرى رحيله الـ 57 لنرد له اعتباره كمصرى وطنى شريف تعمدت أغلب الصحف للإساءة لشخصيته وتاريخه بعد ثورة 23 يوليو، ومن أشهر من أساءوا إليه الكاتب جليل البندارى الذى نشر مقالات فى «أخبار اليوم» فى نوفمبر 1956 بعنوان «الغازية والبرنس المجنون» ادعى فيها أنه زار قصر الأمير يوسف كمال بنجع حمادى، وقال من بين ما قال: إن البرنس هجر منيرة المهدية من أجل سواد عيون وداد الغازية التى وقع فى غرامها من أول نظرة، وقال: إن البرنس دعاها للغناء فى قصره فشتمته بأغنية «يا جريد النخل العالى طاطى وارمى السلام»، وكتب البندارى مسرحية «وداد الغازية» لهدى سلطان وعادل أدهم، التى حولتها نادية الجندى لفيلم عام 1983، وسبق أن أساءت السينما للبرنس يوسف كمال بفيلم «رد قلبى» عام 1957، وكان من الواضح أن صحافة «أخبار اليوم - ومجلة الإذاعة - ومجلة الاثنين التابعة لدار الهلال» تعمدت إظهار البرنس يوسف كمال فى شخصية الإقطاعى المتعجرف المجنون، زير النساء الماجن، لصياغة صورة ذهنية سلبية عنه بعد ثورة 1952، وإنكار كل ما قدمه لبلده من أدوار ثقافية وعلمية وفنية، ونسرد فى السطور التالية لمحات عن البرنس الذى قُوبلت أعماله بالجحود!
الأمير يوسف كمال من مواليد أكتوبر 1882، وكان من أغنى أغنياء مصر طبقًا للقائمة التى أعدها الزعيم الاقتصادى طلعت حرب عند تأسيس بنك مصر، وقُدرت ثروته فى عام 1934بحوالى 10 ملايين جنيه، وكان يمتلك معظم مديرية قنا، ويمتلك تفتيشًا كبيرًا فى نجع حمادى، وقصور واسطبلات لتربية الخيول العربية، وله قصر بحى الزمالك العامر بالأعمال الفنية والتحف النادرة وأصبح اليوم جزءًا من المتحف المصرى الحديث بعد تحويله لمكان لعرض الفن المصرى الحديث والمعاصر، وقصر بالمطرية اسُتخدم فى تصوير فيلم «رد قلبى»، وقصر فى الفجالة تحول لمركز ثقافى صغير للفعاليات الثقافية والفنية، وقصر فى المقطم تم تحويل جزء كبير من الأرض المحيطة به إلى عقارات سكنية، وقصر بالإسكندرية دُمر ولم يعد له وجود، وإلى جانب قصره بنجع حمادى قصر ومجموعته المعمارية هناك، واحتفظ فى كل هذه القصور بجلود الفرائس المتوحشة ورءوسها المُحنطة التى كان يقوم باصطيادها فى رحلاته الجغرافية بإفريقيا الجنوبية والهند وغيرها، وازدحمت قصوره بتماثيل من المرمر ولوحات فنية نادرة لكبار الرسامين فى مصر والعالم، وأنفق الكثير من ماله على ترجمة الكتب الفرنسية إلى اللغة العربية وطبعها على نفقته، ومن أهمها: «وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن إفريقيا الشرقية» تأليف مسيو جيان، و«المجموعة الكمالية فى جغرافية مصر والقارة» التى تقع فى 13 مجلداً بالعربية والفرنسية، وكتاب «بالسفينة حول القارة الإفريقية»، و«رحلة سياحة فى بلاد الهند والتبت الغربية وكشمير 1915»، ولعشقه وولعه بالسفر والترحال، أعد «أطلس» باسمه يدعى «أطلس يوسف كمال» تم طباعة 500 نسخة منه فى هولندا، وجُمعت فيه خرائط العالم التى رُسمت من أقدم العصور، وألف موسوعة تضم رحلاته وخرائط الأماكن التى شاهدها عند زيارته لإفريقيا، وكان من أوائل من استهواهم فن التصوير بكاميرات السينما، وكان يمتلك مكتبة تحوى ما يزيد على 5 آلاف مجلد فى العلوم التاريخية والجغرافية، وعشق جمع التحف التى اشتراها أثناء سفره بالخارج وكان يهديها بعد عودته للمؤسسات المعنية بمصر، ومنح الكثير من مقتنياته الإسلامية للمتحف الإسلامى، وأهدى آلاف الكتب المُصورة عن الطيور والحيوانات إلى دار الكتب المصرية، والجمعية الجغرافية الملكية، وأهدى مجموعة من الطيور المُحنطة ورءوس الحيوانات المفترسة من صيده إلى متحف فؤاد الأول الزراعى وبعضها ضُم إلى متحف محمد على بالمنيل، ومكتبته محفوظة فى دار الكتب بكورنيش النيل مع مكتبات أخرى للأسرة المالكة التى آلت لدار الكتب بعد ثورة يوليو 1952.
هذا هو الوجه الحقيقى للأمير يوسف كمال رجل العلم والثقافة والمعرفة والفنون الجميلة الذى درس مع النحات الفرنسى الشهير «جيوم لابلان» فكرة إنشاء مدرسة للفنون الجميلة التى أسسها من حر ماله فى الدار التى تحمل رقم 100 بشارع درب الجماميز وافتتحها شارع فى 12 مايو 1908، وفتحت المدرسة أبوابها لأصحاب المواهب مجانًا دون تقيد بسن ووفرت للدارسين أدوات الرسم بلا مقابل، وكان مثال مصر العظيم محمود مختار فى طليعة من تقدموا لها ونبغوا فيها ومعه المصوران يوسف كمال ومحمد حسن، وبعد عامين من تأسيس المدرسة أصبحت تحت إشراف الجامعة المصرية الأهلية حتى عام 1910، وأسس فى عام 1924 جمعية محبى الفنون الجميلة، وشارك فى تأسيس الأكاديمية المصرية للفنون بروما، وأسس فى عام 1927 المدرسة التحضيرية للفنون الجميلة، وأصبحت مدرسة عليا وتم تغيير اسمها إلى «المدرسة العليا للفنون الجميلة» ونُقلت إلى قصره فى 8 شارع إسماعيل محمد بالزمالك الذى تنازل عنه ليكون مقراً لكلية الفنون الجميلة بعد 23 يوليو 1952، وتخرج منها أجيال من الرسامين والمصورين والنحاتين والفضل يعود للبرنس يوسف كمال.
وبالتأكيد يعلم من أرادوا الإساءة لشخصية وتاريخ البرنس يوسف كمال أنه اعتذر فى عام 1914 عن رئاسة جامعة فؤاد الأول - جامعة القاهرة حاليًا - واكتفى أن يكون عضواً فى مجلس إدارتها، وحينما اضطر حسين رشدى باشا إلى أن يتخلِ عن الجامعة قبِل رئاسة الجامعة ليكون ثالث رئيس لها، وفى فترة رئاسته كان يرسل النوابغ من طلابها للدراسة فى الخارج على نفقته الخاصة، وحين تعرضت الجامعة لضائقة مالية بسبب الحرب العالمية الأولى، تبرع للجامعة لسد العجز المالى الذى كانت تعانيه، وزوّد مكتبة الجامعة بـ 35 ألف مجلد.
وبالتأكيد يعلم من أرادوا الإساءة لشخصيته وتاريخه أنه كان يتميز بشخصية قوية جعلته يعلن تأييده لثورة 1919 ضد الإنجليز والقصر، وكان من أوائل الداعمين للزعيم سعد زغلول وحزب الوفد فى نضاله ضد الاحتلال، حباً فى الوطن وكرهاً فى الملك فؤاد الذى استولى على العرش بدلاً منه عام 1917 بدعم من الإنجليز الذين اعترضوا على توليه الحكم، وخافوا أن تتكرر تجربتهم السيئة مع عباس حلمى الثانى، وقرر البرنس يوسف كمال التنازل فى سابقة تُعد الأولى من نوعها عن لقب «الأمير»، ونشرت مجلة «المصور» فى 22 أبريل 1932 قصة هذا التنازل وأشارت إلى مواقفه الوطنية، وكان يوقع بعدها بـاسم «مزارع مصرى»، وغير كل لافتات ممتلكاته فى كل المديريات إلى «الدائرة اليوسفية»، وأسهم فى تنمية القرى بالتقنيات الزراعية الحديثة فى نجع حمادى.
وربما يعرف أو لا يعرف من تعمدوا الإساءة لشخصيته وتاريخه أنه ساهم فى تأسيس دار الآثار العربية المعروفة اليوم بمتحف الفن الإسلامى، وتبرع لها بـ 180 قطعة أثرية نادرة، تُقدّر قيمتها اليوم بملايين الجنيهات وتبرع لها بأرض وأموال، وكان فى رحلة فى لبنان وقت قيام حركة الجيش المباركة فى 23 يوليو 1952، وذهبت لجان الجرد لقصوره فى القاهرة والإسكندرية ونجع حمادى فوجدوها عامرة بالتحف والتماثيل والكتب الثمينة، والغريب أنه بعد مغادرته لمصر ومصادرة قصوره وأملاكه أعاد إلى مصر معظم ممتلكاته التى كانت فى الخارج وعاش فى أوروبا حتى لقى ربه فى شهر أبريل بمدينة أستروبل بالنمسا عام 1969عن عمر 90 عامًا، وتم نقل جثمانه للقاهرة ودُفن بمدافن الإمام الشافعى مع أسرته.
كان أميرًا مصريًا جادًا محبًا للفن والثقافة والعلم والمعرفة وعاشقًا للتاريخ والرحلات الاستكشافية الجغرافية، لكنهم أساءوا لشخصيته وتاريخه وزعموا بالباطل أنه مجنون ومهووس بالنساء وغارق فى حياة اللهو والانبساط، رحم الله الأمير المصرى الوطنى يوسف كمال الذى خلع رداء البرنسات وانضم لصفوف الفلاحين!


كنوز| «نمر الثورة» فى ميزان اللواء محمد نجيب
كنوز| «فلسفة الثورة» فى ميزان «العقاد»
كنوز| «العميد» أول من أطلق على حركة الجيش مسمى «الثورة»






