عكس التيار

الخبرات.. كنوز منسية!

رضا هلال
رضا هلال


فى شارع هادئ بالدقى، بلا لافتة لامعة ولا ضجيج، تُفك ألغاز وتُستعاد حقوق.. زرت جمعية الأدلة الجنائية والطب الشرعى فوجدت ما يجب أن تكون عليه الخبرة حين تُحترم... عقول هادئة، وأعين دقيقة، وسنوات طويلة من العمل فى السموم والمخدرات والتزوير وأدق تفاصيل الطب الشرعي.. هؤلاء ليسوا موظفين عابرين، بل خلاصة أعمارٍ مهنية، أمضوا سنواتهم فى أصعب القضايا، ثم اجتمعوا ليقدّموا عصارة ما تعلموه بهدوء وثقة.

المدهش أن قضايا تبدو مستحيلة أو «انتهت رسميًا» تبدأ عندهم من جديد؛ تُفكك العقد وتُعاد قراءة الأدلة، وكأن الحقيقة كانت تنتظر من يراها.
يقول الدكتور محمد بيومى إن بعض من يأتون يقسمون أنهم أبرياء أو لم يوقّعوا، ثم تكشف الخبرة أن بعضهم هو الجاني.. هنا تتجلى القاعدة... الأمر لا يتعلق بما يُقال، بل بما يُثبت.. واتفق الجميع -من اللواء مصطفى إلى اللواء أحمد البحيرى وصولًا إلى الدكتور محمد نبيل سليمان وهو الشاب الوحيد بينهم كما يحب أن يتكلم عن نفسه (55 سنة)- على مبدأ واحد: الخبير لا ينحاز.. بل يكشف.

هذه الجمعية، رغم أهميتها، لا يعرفها كثيرون. وهى رافد حقيقى للدولة بما تقدمه من دعم علمى وفنى فى القضايا المعقدة. وليست جهة خيرية، بل تعمل وفق نموذج مهنى واضح... خبرة مقابل أجر؛ وهو أمر طبيعى لأن المعرفة المتخصصة لها قيمتها.

السؤال الأهم... لماذا لا نُعمّم النموذج؟ لماذا لا نجمع خبراء الاقتصاد والمال، والبنوك والاستثمار، والزراعة والإنتاج الحيواني، والتعليم، وحتى الصناعات المختلفة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، فى كيانات مماثلة تقدّم خبرتها لمن يطلبها؟ بدلًا من توزيعهم فى مواقع إدارية تقليدية أو انسحابهم من المشهد، يمكن توفير منصة يعملون عبرها ويضيفون قيمة حقيقية.

بهذا نحفظ كرامة الخبرة ونُفعّل أثرها، فالمجتمعات لا تتقدم بالشباب وحدهم، بل أيضًا بمن يملكون مفاتيح الفهم وخبرة التجربة. فى تلك الغرفة الهادئة بالدقى أدركت أن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى عقل يعرف كيف يقرؤها. هنا تسكن الحكمة، وتُصان الكفاءة، وتُبنى الثقة.
فلننتبه… ولنُحسن استخدام ما نملك من عقول قبل أن نفقدها.

هذا -ببساطة- هو الطريق.