قبة أفندينا.. جلال الموت والفن

حكاية ضريح ملكى يوثق روائع مصر المعمارية منذ ١٥٠ عاماً

ضريح الأميرة أمينة هانم إلهامى
ضريح الأميرة أمينة هانم إلهامى


داليا فهمى
فى قلب القاهرة تقف قبة أفندينا كشاهد صامت على تاريخ أسرة حكمت مصر لعقود، ومتحف يختزل ملامح الفن المعمارى وروح الحقبة الخديوية.. هذه القبة التى كثيرًا ما خطفت أنظار صناع السينما، فظهرت فى أعمال بارزة مثل فيلم «لا وقت للحب»، والإمبراطور لم تكن مجرد موقع تصوير، بل سجل حى لذاكرة سياسية وثقافية ممتدة.

يقول الباحث الأثرى أحمد أيمن إن القبة بنيت بأمر من الأميرة أمينة هانم إلهامى زوجة الخديوى توفيق ووالدة الخديوى عباس حلمى الثانى لتكون مدفنًا رسميًا لأفراد الأسرة العَلَوية التى تنحدر من محمد على باشا.
كما أشار إلى أنه رغم أن الخديوى توفيق باشا دُفن قبل تشييد القبة، فإن رفاته نُقلت لاحقًا إليها واحتضنت القبة كذلك عددًا من أبرز أفراد الأسرة من بينهم الأميرة أمينة هانم إلهامى والدة الخديوى عباس حلمى الثاني، إلى جانب الأميرة فتحية ابنة الخديوى والأمير محمد عبد المنعم وزوجته نسل شاه، والاميرة شويكار، وآخرين من رموز الحكم الملكى فى مصر.
ويؤكد الباحث أن قبة أفندينا لم تكن الموقع الوحيد لدفن أفراد الأسرة العلوية، حيث توجد «القبة السعيدية» فى الإسكندرية بجوار مسجد النبى دانيال والتى تم هدمها لاحقًا قبل أن تُنقل الرفات إلى قبة أفندينا خلال سبعينيات القرن الماضي، كما يُعد جامع الرفاعى موقعًا آخر لمدافن الأسرة خاصة للفرع الإسماعيلى منها.
اما عن تسمية «أفندينا» فهى لقب تركى كان يُطلق على حكام مصر من أسرة محمد على ما يعكس مكانة القبة بوصفها ضريحًا ملكيًا بامتياز، ويشدد على أن تشبيه القبة بتاج محل الهندى يظل أمرًا نسبيًا يخضع لوجهات النظر مؤكدًا أن العمارة المصرية لا تحتاج إلى مقارنات لتأكيد عظمتها.. ويضيف أن القبة تتميز بطراز معمارى مملوكى مُستحدث أعادت إحياءه الأسرة العلوية، حيث مزجت بين الأصالة والتجديد، وظهر ذلك فى تصميم القبة وزخارفها الدقيقة، كما يشير إلى أن هذا الطراز يُعد امتدادًا لمدارس معمارية عظيمة مثل مسجد السلطان حسن التى ألهمت العديد من منشآت تلك الحقبة.
ويؤكد أن القبة تُبرز دور الأميرة أمينة هانم إلهامى فى دعم التعليم الفني، حيث أسست مدارس الصنايع التى خرجت أجيالًا من الحرفيين المهرة الذين ساهموا فى إعادة إنتاج الفن المملوكى بهذا الشكل المتطور.
ويختتم احمد ايمن بأن القبة، رغم ما تعرضت له من سرقات خلال أحداث ثورة 25 يناير من بينها أجزاء، يُعتقد أنها من كسوة الكعبة المشرفة فإنها لا تزال تحتفظ بحالتها الجيدة حتى اليوم بعد أعمال ترميم وصيانة.
ومن جانبها، أوضحت هند عاطف مفتش آثار إسلامية أن قبة أفندينا التى بنيت عام 1870م تقع بحى منشية ناصر بالقاهرة القديمة، وهى من المناطق التى تضم مجموعة مميزة من الآثار الإسلامية التى تعود لعصور مختلفة ما يمنحها قيمة تاريخية مركبة داخل نسيج القاهرة التاريخية، وتشير إلى أن القبة أُدرجت ضمن المواقع الأثرية المسجلة، وتخضع لإشراف وزارة السياحة والآثار التى تعمل على حمايتها وصيانتها بشكل دوري..
وتضيف أن الدراسات الأثرية الحديثة تؤكد أن تصميم القبة يعكس تأثر العمارة فى العصر الخديوى بمحاولات إحياء الطراز المملوكي، وهو ما يظهر بوضوح فى القباب المرتفعة والزخارف الحجرية الدقيقة، إضافة إلى استخدام الخط العربى كعنصر زخرفى بارز فى بعض الأجزاء، كما تشير إلى أن هذا الاتجاه كان جزءًا من حركة أوسع لإحياء الهوية المعمارية الإسلامية فى تلك الفترة.
كما تؤكد أن أعمال الترميم التى شهدها الموقع خلال السنوات الأخيرة ركزت على الحفاظ على العناصر الأصلية دون تغيير، خاصة فيما يتعلق بالزخارف والكتابات، وذلك وفقًا للمعايير الدولية فى ترميم الآثار، وتوضح أن القبة تمثل نموذجًا مهمًا لفهم تطور العمارة الجنائزية فى مصر الحديثة، فضلًا عن كونها شاهدًا على مرحلة سياسية وتاريخية بارزة فى تاريخ البلاد.