تبدو إيران وكأنها تسير فى الاتجاه المعاكس لمنطق التاريخ ودروس الدول، فبدلاً من أن تتعظ من خسائرها الفادحة فى الحرب، تراهن على التصعيد، فلا هى قادرة على فرض الحسم العسكرى، ولا مستعدة لمنطق التسليم، ليبقى الإقليم بأسره على حافة توتر دائم، وفى انتظار المجهول.
الخطأ الأكثر فداحة فى السلوك الإيرانى لا يكمن فقط فى التصعيد، بل فى استهداف دول الخليج، التى لم تكن فى أصل الصراع، ووجدت نفسها ضمن دائرة الاستهداف، رغم أنها بذلت جهوداً لتجنيب المنطقة الانزلاق إلى حرب شاملة، وكان بإمكان طهران أن تميّز بين خصومها الحقيقيين، وبين محيط إقليمى يسعى إلى الاستقرار، لكنها اختارت توسيع دائرة العداء، فخسرت فرص بناء الثقة، وضيّعت إمكانات الشراكة.
المفارقة أن دول الخليج، رغم امتلاكها قدرات عسكرية متقدمة، لم تنجر إلى منطق الهجوم والتزمت بالدفاع عن أمنها، إدراكاً بأن الحروب حين تندلع، لا يمكن التحكم فى مساراتها، وهذا السلوك كشف فجوة واضحة بين عقلية إدارة الأزمات فى الخليج، القائمة على الاحتواء، وبين نهج إيرانى يميل إلى توسيع رقعة الاشتباك، حتى وإن كان الثمن استنزافاً للجميع.
توقفت الحرب وفى انتظار ما يأتى، وكان استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية فى دول الخليج، تكذيباً للرواية الإيرانية التى تزعم تركيزها على أهداف عسكرية أمريكية، وحين تمتد الضربات إلى مطارات ومنشآت طاقة ومناطق سكنية، فلم يكن دفاعاً عن النفس، بل اعتداءات صارخة، وأسهم هذا السلوك فى تعزيز الاصطفافات ضد إيران، ووفّر مبررات إضافية لتكثيف استمرار الوجود العسكرى الأجنبى فى المنطقة.
والتناقض بين الخطاب السياسى والممارسة الميدانية يفاقم أزمة الثقة، فحين تُطرح مبادرات تهدئة، بينما تستمر مناورات عرقلة التوصل إلى تسوية، يصبح من الصعب إقناع الآخرين بجدية النوايا، وهذا التناقض يربك أى مسار للتعايش الآمن فى المنطقة، ويجعل من الصعب بناء أرضية مشتركة للحوار.
وأثبتت الجولة الأولى للحرب أن فرضية الحسم العسكرى لن تتحقق، فإيران لن تستطيع الاستمرار فى حرب استنزاف طويلة، دون أن تدفع أثماناً داخلية قاسية، تزيد معاناتهم المعيشية، أما الولايات المتحدة، فافتقدت القدرة على ضمان الاستقرار، ويصبح الجميع أمام معادلة خاسرة.
اللحظة الراهنة تفرض المراجعة الشاملة لا مجرد تعديلات تكتيكية، فمدّ إيران يد المصافحة لدول الخليج ليس تنازلاً، بل استثمار فى الأمن المشترك، والاعتراف بالخطأ لا يعنى خسارة الهيبة، بل استعادة العقلانية، فالاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالتفاهم، والتاريخ لا يرحم من يصر على تجاهل دروسه.
ربما آن الأوان لإيران أن تدرك أن صناعة الحلفاء أكثر نفعاً من تعبئة الخصوم، وأن أمنها الحقيقى لا يتحقق عبر توسيع ميادين الصراع، بل تضييقها، فلا أحد يخرج منتصراً من حريق يلتهم الجميع، ولا منطقة تُبنى على أنقاض الصراع الدائم.

أنباء متفائلة.. ولكن (٢)
السلام المطلوب!
الاتفاق وشفرة الأذرع الإيرانية!





