في واقعة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأثرية والثقافية، عاد ملف المخطوطات النادرة إلى الواجهة من جديد، بعد عرض واحدة من أهم روائع التراث الإسلامي للبيع خارج مصر، حيث يُعد مخطوط قصيدة "البُردة" للإمام شرف الدين البوصيري، لا يمثل مجرد نص شعري، بل وثيقة فنية وتاريخية تعكس ازدهار فنون الكتاب في العصر المملوكي، ما يطرح تساؤلات ملحّة حول مصير التراث العربي وسبل حمايته.
◄ مطالبات عاجلة لوقف البيع واسترداد المخطوط
بعد بيعه فى مزاد علنى، ناشد المجلس العربى للاتحاد العام للآثاريين العرب برئاسة الدكتور محمد الكحلاوى، وزير السياحة والآثار شريف فتحى، بضرورة التدخل لوقف بيع مخطوط قصيدة "البُردة" للإمام البوصيري، والمؤرخ بسنة 853 هـ (1449–1450م).

وأوضح الدكتور محمد الكحلاوى أن هذا المخطوط يمثل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية والتراث المخطوط لمصر والعالم العربى، الأمر الذى يستدعى تحركًا سريعًا لاسترداده والحفاظ عليه كإرث حضارى لا يقدّر بثمن.
◄ المخطوط تحت طائلة القانون المصرى
وصرح الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، بأن المخطوط عُرض للبيع فى إحدى دور المزادات الهولندية، مؤكدًا أن من حق مصر المطالبة باستعادته، باعتباره خاضعًا لأحكام القانون رقم 8 لسنة 2009 الخاص بحماية المخطوطات.
وتنص المادة الأولى من هذا القانون على أن المخطوط هو كل ما كُتب بخط اليد قبل عصر الطباعة، أيا كانت هيئته، إذا كان يمثل إبداعًا فكريًا أو فنيًا، أو نسخة نادرة من كتاب ذى قيمة، ترى الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية أن حمايته تمثل مصلحة قومية، ويضم القانون 14 مادة تهدف إلى صون هذا التراث.

كما أشار إلى أن المخطوط عُرض من خلال شركة "Oriental Art Auctions" تحت رقم لوط 23، وذلك فى مزاد أُقيم يوم 22 أبريل الجارى.
◄ غياب الرد الرسمى يثير التساؤلات
ونوه الدكتور ريحان إلى أنه رغم المناشدات المتكررة من مجلس الآثاريين العرب، لم يصدر أى رد رسمى من وزارة السياحة والآثار أو من الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، حتى لتوضيح الموقف، وهو ما أثار حالة من القلق داخل الأوساط المعنية بحماية التراث.

ومن هذا المنطلق، قامت الباحثة الآثارية سميرة عصام، بإدارة النشر العلمى بالمجلس العربى للآثاريين العرب، وباحثة دكتوراه فى المخطوطات الإسلامية، برصد الأهمية التاريخية والفنية لهذا المخطوط بعد بيعه فى المزاد.
اقرأ ايضا| مخطوط يتجاوز 450 عامًا يبرز عبقرية الطب العربي الإسلامي بجناح الأزهر بمعرض الكتاب
وتُعد مخطوطة "الكواكب الدرية فى مدح خير البرية" المعروفة بـ "قصيدة البردة" ، واحدة من أبرز نماذج الازدهار الفنى فى مصر خلال العصر المملوكى.
وقد كتبها الإمام البوصيرى (608–696هـ)، أحد أهم شعراء المديح النبوى فى القرن السابع الهجرى.
◄ قصة كتابة البُردة بين الروايات
اختلفت آراء العلماء حول سبب تأليف القصيدة؛ إذ تشير إحدى الروايات إلى أن البوصيرى كتبها أثناء مرضه، متوسلًا بالنبي محمد بن عبد الله للشفاء، بينما تذكر رواية أخرى أنه بعد إتمامها رأى النبي فى المنام، فمسح عليه وألبسه "البُردة" (العباءة)، فشُفى من مرضه، ومن هنا جاءت التسمية، ومع ذلك، لا يوجد دليل قاطع يرجح أى من الروايتين.
وتشير الباحثة إلى أن المخطوطة تمثل نموذجًا متكاملًا لفنون الكتاب، حيث يظهر فن الخط فى أبهى صوره، إذ استخدم الخطاط خط "المحقق" لكتابة ثلاثة أبيات كبيرة فى كل صفحة بالمداد الأسود، تنتهى بكلمات مكتوبة بالذهب ومحددة بالأسود وفق أسلوب "الشعير" .
كما تضم الصفحة تسعة أسطر أصغر بخط النسخ، موزعة فى ثلاثة أعمدة منتظمة، مع فواصل زخرفية نباتية ملونة، ما يمنح الصفحة توازنًا بصريًا وجمالًا دقيقًا يعكس مهارة الناسخ.
◄ فن التجليد.. غلاف يحكى تاريخًا
أما التجليد، فيُظهر براعة فنية واضحة فى الغلاف الجلدى البنى الداكن، حيث زُين بتركيبة زخرفية تتوسطها "سُرّة" دائرية تحمل عناصر هندسية، يعلوها ويحيط بها دلايات تجمع بين الزخارف النباتية والهندسية، فى تصميم متوازن يعكس ازدهار فن التجليد فى العصر المملوكى.
ولعب فن التذهيب دورًا محوريًا داخل المخطوط، ما يعكس مكانته الرفيعة، سواء لاحتوائه على مدح النبى أو لكونه مُهدى إلى السلطان المملوكى الظاهر أبو سعيد جقمق، الذى حكم مصر والشام بين عامى 1438 و1453م.
وقد ورد ذلك فى الصفحة الافتتاحية داخل "الشمسية" بخط الثلث المذهب بالنص:
"برسم خزانة مولانا السلطان المالك الملك الظاهر أبى سعيد جقمق نصره الله نصرا عزيزا" .
◄ توقيع الخطاط وتوثيق تاريخ النسخ
وفى ختام المخطوط، وقع الخطاط المصرى يوسف البياضى اسمه، وهو من كبار الخطاطين فى عصره، حيث كتب فى التختيمة بالمداد الذهبى: "تمت البردة المباركة بحمد الله.. على يد العبد الفقير يوسف البياضى"، مع تحديد تاريخ الفراغ من النسخ فى الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة 853 هـ.

وتؤكد الباحثة سميرة عصام أن هذه المخطوطة تمثل قيمة فنية وروحية عالية، إذ كُتبت فى شهر رمضان المبارك، وجمعت بين فنون الخط والتذهيب والتجليد فى تناغم يعكس قمة الإبداع الفنى فى ذلك العصر.
كما تشير إلى أن قصيدة البردة كان لها تأثير واسع عبر العصور، حيث سار على نهجها العديد من الشعراء، ومن أبرزهم أحمد شوقي فى العصر الحديث من خلال قصيدته "نهج البردة" .
يبقى مخطوط "البُردة" أكثر من مجرد أثر يُعرض للبيع، فهو شاهد على مرحلة ذهبية من تاريخ الفن الإسلامي.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







