بينما كانت السماء تبدو للبعض فضاءً صامتًا، كان المصرى القديم يقرأها كـ»كتاب مفتوح» يراقب نجومها، يتتبع حركتها، ويحوّل إشاراتها إلى قرارات تمس حياته اليومية؛ من موعد الزراعة إلى توقيت الطقوس والأعياد هكذا لم تكن النجوم بعيدة، بل كانت شريكًا خفيًا فى صناعة واحدة من أعظم الحضارات فى التاريخ.
حينها لم يكن علم الفلك فى مصر القديمة ترفًا معرفيًا، بل كان علمًا عمليًا ارتبط مباشرة بتنظيم شؤون الحياة اليومية. فمن خلال مراقبة السماء، استطاع المصرى القديم ضبط الزمن، وتحديد مواسم الزراعة، وربط الظواهر الكونية بإيقاع الحياة على الأرض، فى منظومة علمية متكاملة تكشفها النقوش والمعابد حتى اليوم.
بهذه الكلمات بدأ الباحث الأثرى الطيب غريب مدير عام آثار الكرنك السابق كلماته وأضاف بأن السماء كانت دائما كتابا مفتوحا فى حياة المصرى القديم الذى فى وضع تقويما سنويا مكوَّنا من 365 يومًا، قُسِّم إلى 12 شهرًا، مع إضافة خمسة أيام نسيء فى نهاية العام. وارتبط هذا التقويم بدورة نهر النيل، حيث قُسِّمت السنة إلى ثلاثة فصول رئيسية: الفيضان، والبذر، والحصاد.
وكان لظهور نجم الشعرى اليمانية (سوبدت/سيريوس) قبيل شروق الشمس دور حاسم، إذ شكّل علامة فلكية ثابتة تُنذر ببدء موسم الفيضان، وهو الحدث الأهم فى حياة المصرى الزراعية.
ورغم غياب الوسائل التكنولوجية الحديثة، طوّر المصرى القديم أدوات دقيقة لرصد الزمن، مثل الساعة الشمسية وساعة الظل والساعة المائية، إلى جانب أداة «المرخت» التى استُخدمت فى متابعة النجوم وتحديد الوقت ليلًا كما عُرف منصب (ور مآا) أى «كبير الرائين» أو «مراقب السماء»، وهو لقب كهنوتى يعكس وجود نظام منظم لرصد الأجرام السماوية وتسجيل حركتها، خاصة فى مدينة «أون» (عين شمس حاليًا)، التى كانت مركزًا علميًا ودينيًا بارزًا.
ويضيف الباحث الأثرى الطيب غريب بأن وجود «مراصد فلكية» فى مصر القديمة يثير نقاشًا بين الباحثين؛ فبينما يرى البعض أن المعابد نفسها أدّت هذا الدور، تشير شواهد أثرية حديثة إلى وجود مواقع مخصصة، منها ما أعلنه المجلس الأعلى للآثار فى يونيو 2024 عن كشف أثرى بمدينة بوتو (تل الفراعين)، يُرجّح أنه مرصد فلكى يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويضم الموقع مدخلًا موجّهًا نحو الشرق لرصد شروق الشمس، وغرفًا لتخزين الأدوات، وأخرى حجرية يُعتقد أنها جزء من برج مراقبة، إلى جانب نقوش وأدوات مرتبطة بقياس الزمن، بينها ساعة شمسية.
ويؤكد غريب أن قدماء المصريين لم ينظروا إلى السماء باعتبارها مشهدًا جماليًا فقط، بل كأداة معرفة دقيقة. فما نراه اليوم من شواهد داخل المعابد يؤكد أن الرصد الفلكى كان جزءًا من منظومة علمية متكاملة، وليست مجرد ملاحظات عابرة.. كما أن عمارة المعابد المصرية تعكس فهمًا عميقًا لحركة الشمس، ففى معبد «الأخ منو» بالكرنك، توجد «غرفة الشمس المشرقة» بفتحة تتجه شرقًا، يُعتقد أنها استُخدمت لرصد الشروق.. كما تُظهر معابد أخرى، مثل معبد طهارقا، تمثيلات دقيقة لحركة الشمس، فيما تشير دراسات حديثة إلى أن تصميم بعض المعابد يسمح بدخول أشعة الشمس إلى قدس الأقداس فى توقيتات محددة من العام، بما يعكس دقة فى الربط بين العمارة والسماء.
ويشير أيمن أبو زيد الباحث فى علم الفلك الأثرى رئيس الجمعية المصرية للتنمية السياحية والأثرية إلى أن تصميم معابد الكرنك لم يكن عشوائيًا، بل اعتمد على زوايا فلكية محسوبة، سمحت بتوظيف الضوء فى قياس الزمن، وتحديد لحظات كونية بعينها، مثل تعامد الشمس فى مواقيت محددة من العام، منها مواعيد الإنقلاب الشتوى التى تتوافق مع عيد ميلاد الإله «رع الكبير» إله الشمس فى مصر الفرعونية، والذى يتطابق من نمو محصولين رئيسيين لازمين لإقامة أى حضارة وهما القمح والشعير، وبلغت عبقرية المصرى القديم مداها يوم أن شيد هذا المحور ليستقبل ضوء الشمس عندما صمم نافذة من الجهة الشرقية لتستقبل شروق الشمس فى هذا اليوم على المركب المقدس ثم تستمر فى إنارة المحور الرئيسى حتى تشرق بين البرجين الول للمعبد لتشكل العلامة المصرية «آخت» التى تعنى الأفق بمعنى أفق ظهور الشمس نفس الشئ يحدث عند مواعيد الإنقلاب الإنقلاب الصيفى الذى تتعامد فيه الشمس على قدس الأقداس بمعابد الكرنك.
لم تغب السماء عن الفن المصرى القديم» والكلام هنا لايزال على لسان الباحث الأثرى الطيب غريب «إذ زُيّنت أسقف المعابد والمقابر بمناظر فلكية تُظهر النجوم والأبراج، ويُعد معبد دندرة من أبرز النماذج، حيث يحتوى على تمثيلات دقيقة للأبراج السماوية.كما تضم مقابر وادى الملوك، مثل مقبرة سيتى الأول، ومقبرة سننموت بغرب الأقصر، خرائط ونصوصًا فلكية، منها «كتاب الليل والنهار»، التى توثق حركة الشمس والنجوم فى تصور كونى متكامل.
فى النهاية، يكشف علم الفلك فى مصر القديمة عن عقلية علمية ربطت بين الرصد والتطبيق، فحوّلت حركة السماء إلى وسيلة لتنظيم الزمن وبناء الحضارة. وبينما كانت النجوم موضوعًا للمراقبة، كانت الأرض ميدانًا للاستفادة، فى تجربة إنسانية تؤكد أن العلم، مهما كانت أدواته بسيطة، قادر على صناعة تاريخ لا يُنسى.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







