"حمام المتولي" .. 3 قرون من البخار تحكي أسرار الغربية

حمام المتولي
حمام المتولي


الغربية. ماجدة شلبي

في قلب مدينة المحلة الكبرى حيث تتشابك الأزقة القديمة مع ضجيج الحاضر يقف حمام المتولي كواحد من أندر الشواهد الحية على زمنٍ كان للهدوء فيه طقوس وللنظافة معنى يتجاوز الجسد ليصل إلى الروح هنا في حي سوق اللبن بمنطقة الصهريج خلف مسجد جاويش وبالقرب من مسجد المتولي تبدأ الحكاية

حكاية مكان لم تنجح السنوات في محو ملامحه

يرجع تاريخ بناء هذا الحمام إلى عام 1694م حين أمر بإنشائه الأمير سياويش محي زاده جوربجي المعروف بالأمير جاويش ليكون واحدًا من أهم الحمامات الشعبية في ذلك العصر لم يكن الحمام مجرد مرفق خدمي بل كان مؤسسة اجتماعية متكاملة مكانًا للراحة ومتنفسًا لأهل المدينة وملتقى تتشكل فيه العلاقات وتُروى فيه الحكايات.

عرف الحمام في بداياته باسم (حمام البابين) نسبة إلى تصميمه المعماري الذي يضم مدخلين قبل أن يطغى عليه اسم (حمام المتولي) المرتبط بقربه من المسجد الشهير ليصبح الاسم الذي حفظه الناس ورددوه عبر الأجيال.

بمجرد أن تخطو عتبة المكان يتبدل الإحساس بالزمن جدران سميكة تحتفظ بحرارة البخار وأرضيات رخامية باردة تعكس الضوء الخافت ورائحة مميزة تختلط فيها المياه الساخنة بعبق التاريخ كل تفصيلة هنا تبدو وكأنها جزء من لوحة قديمة لم تفقد ألوانها.

يتكون الحمام من مجموعة من الأقسام التي تعكس براعة العمارة العثمانية غرف للمغاطس الدافئة التي تمنح الجسد استرخاءً عميقًا وغرف بخار تُفتح أبوابها على عالم من السكون ومنصة رخامية تتوسط المكان مخصصة للتدليك حيث تمتد الأجساد طلبًا للراحة بينما تتوارث الأيدي خبرة السنين وإلى جانب ذلك توجد غرف للاستراحة كانت وما زالت مساحة لالتقاط الأنفاس بعد رحلة طويلة من الاستشفاء.

ولم يكن الحمام يومًا حكرًا على النظافة فقط بل كان جزءًا من طقوس الحياة اليومية من تجهيز العرائس قبل الزفاف إلى جلسات الأصدقاء وحتى لحظات الصفاء الفردي التي يبحث فيها الإنسان عن هدوء نادر ومع مرور الزمن تغيرت أشياء كثيرة لكن هذا المكان ظل محتفظًا بروحه.

ورغم مرور أكثر من ثلاثة قرون لا يزال الحمام يعمل حتى اليوم مستقبلاً زواره الذين يبحثون عن تجربة مختلفة بعيدًا عن صخب الحياة الحديثة يقدم خدمات الاستشفاء وجلسات البخار والتدليك والحمام المغربي بأسعار بسيطة وكأن المكان يصر على أن يظل قريبًا من الناس كما كان دائمًا.

في هذا السياق يتحدث مسعد الريّس المستأجر الحالي للحمام لـ"بوابة أخبار اليوم" بنبرة تحمل مزيجًا من الفخر والمسؤولية: "الحمام ده مش مجرد مكان شغل ده تاريخ عايش معانا أنا كل يوم بدخل هنا بحس إني داخل على حكاية كبيرة وكل ركن فيه بيحكي عن ناس عدّت من هنا من سنين طويلة".

ويضيف وهو يشير إلى أركان المكان: "الرخام ده والقباب دي مش حاجات عادية دي اتعملت بإيدين ناس كانوا فاهمين يعني إيه شغل يعيش مئات السنين إحنا بنحاول نحافظ عليه بنفس الروح دي".

ويسترجع زكي بعض المشاهد التي لا تغيب عن ذاكرته: "كان زمان الحمام مليان على طول أفراح تجهيز عرايس ناس جاية تتونس وتقعد بالساعات لحد النهارده في زباين بتيجي علشان تحس بالإحساس ده إحساس الزمن القديم".

ورغم هذا الحضور الحي يواجه الحمام تحديات ليست بالهينة فعلى الرغم من تسجيله ضمن الآثار الإسلامية بقرار وزاري عام 2000 لا تزال أعمال الترميم تسير ببطء نتيجة تعقيدات إدارية بين جهات الإشراف المختلفة وهو ما يضع المكان في منطقة بين الحماية والإهمال.

ويعلّق الريّس بحسرة واضحة: "المكان محتاج دعم حقيقي مش بس علشان يفضل شغال لكن علشان يفضل محافظ على شكله وتاريخه إحنا بنعمل اللي نقدر عليه بس ده أثر كبير لازم كلنا نحافظ عليه".

 

ويضيف: "لو الحمام ده اختفى مش هيكون مجرد مكان قفل دي حتة من روح المحلة هتضيع".

ورغم كل ذلك يظل حمام المتولي صامدًا كأنه يرفض أن يكون مجرد ذكرى بين جدرانه تتداخل أصوات الماضي مع خطوات الحاضر ويظل البخار المتصاعد شاهدًا على زمن لم ينتهِ بعد.

ليس مجرد حمام شعبي بل حكاية مدينة ومرآة لذاكرة ممتدة عبر القرون وكل من يمر من هنا لا يخرج فقط بجسد أكثر راحة بل يحمل في داخله شيئًا من عبق التاريخ شيئًا يصعب وصفه لكنه يبقى