الخطوط الساخنة للدعم الإنسانى «حاضرة»| اسأل واستشر «نفسيًّا»

د. أحمد بكير  -  د. سحر شعبان  - الانهيار النفسى
د. أحمد بكير - د. سحر شعبان - الانهيار النفسى


الخدمات متاحة بالجهات الحكومية والجمعيات الأهلية. والرد سريع والعلاج وفقا للحالة

الشريعة تدعم العلاج النفسى وترفض الاستسلام لليأس
تفريغ المشاعر بصوت مرتفع يمنح المتصل مساحة للتنفيس

إجراء جميع المكالمات فى «سرية تامة» وملفات محددة للحالات

 

الانهيار النفسى يحدث فى لحظات وقد تكون مكالمة واحدة هى الفارق بين النجاة والسقوط فى هاوية الاكتئاب، ومع تزايد الضغوط اليومية وتفاقم الأزمات النفسية، باتت الحاجة إلى الدعم النفسى أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى، خاصة فى مجتمع لا يزال ينظر للصحة النفسية بشيء من التردد أو الوصم. ورغم وجود عدد من الخطوط الساخنة التابعة لجهات حكومية ومبادرات أهلية تقدم الدعم النفسى فى مصر، يبقى السؤال الأهم: هل تصل هذه الخدمات إلى من يحتاجها فعلًا؟ وهل تمثل طوق نجاة حقيقيًا فى أوقات الأزمات، أم أنها مجرد أرقام لا يعرفها كثيرون إلا بعد فوات الأوان؟

اقرأ أيضًا| الخط الساخن للدعم النفسي.. تفاعل مجتمعي إيجابي يعكس وعي المصريين 

وفى هذا السياق، أجرت «الأخبار» تجارب حقيقية مع عدد من الخطوط الساخنة للدعم النفسى فى مصر، لرصد مدى سرعة الاستجابة وكفاءة التعامل مع الحالات المختلفة، وتقييم مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين، فضلاً عن السماع لآراء الخبراء فى الجانب الاجتماعى والدينى حول أهمية هذه الخدمات ودورها فى دعم الأفراد.

تواصلنا مع الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان التابعة لوزارة الصحة المصرية عبر الخط الساخن المجانى على رقم 16328، وكررنا محاولة الاتصال عدة مرات، إلا أن الخطوط كانت مشغولة باستمرار. وبعد ذلك، حاولنا التواصل من خلال الرقم الأرضى 0220816831، وجاء الرد هذه المرة بشكل فورى من أحد المختصين.

وقد بدأ المختص فى تسجيل بعض البيانات الأساسية، مع الاستفسار عن طبيعة المعاناة النفسية التى تشكو منها الحالة، وذلك فى إطار من السرية التامة، موضحا أن جميع البيانات التى يتم الحصول عليها تُحذف فور انتهاء المكالمة، حفاظا على خصوصية المواطنين. وبعد شرح الحالة، والتى تمثلت فى الشعور بقلق وتوتر شديدين، اقترح المختص إمكانية تحويل المكالمة إلى الطبيب المسئول لتقييم الحالة بشكل أدق، موضحا أن الحالات البسيطة التى تندرج تحت أعراض القلق أو التوتر يمكن متابعتها هاتفيا من خلال تقديم الإرشادات والنصائح اللازمة.

اقرأ أيضًا| مديرة شكاوي المرأة: هدفنا «الحفاظ على الأسرة» منذ إطلاق الإستراتيجية الوطنية

أما فى الحالات الأكثر تطورا حسب تقييم الطبيب لها، فيتم توجيهها إلى أقرب مستشفى وفقا للموقع الجغرافى للحالة، للحصول على تقييم طبى مباشر، وفى حال الحاجة إلى تدخل دوائي، يتم تحويل المريض إلى أقرب مستشفى حكومى لصرف العلاج مجانا.

الهلال الأحمر «فورا»

ومن ناحية أخرى، تم التواصل مع الهلال الأحمر المصرى عبر الخط الساخن على رقم 15322، حيث قامت الموظفة بالرد بشكل فوري، ثم تحويل المكالمة إلى وحدة الدعم النفسي.

وخلال الاتصال، قام الفريق المختص بطلب تسجيل بعض البيانات الأساسية، إلى جانب الاستفسار عن طبيعة الشكوى النفسية، كما تم تزويد الحالة برقم مخصص للتواصل المباشر مع الأطباء المختصين. وفى الوقت نفسه، يتم تسجيل رقم الحالة ضمن قاعدة البيانات، ليتولى فريق الدعم إعادة التواصل فى حال تعذر الوصول إليها لاحقًا.

اقرأ أيضًا| افتتاح عيادة لمكافحة الإدمان بمنطقة «بشاير الخير» بالإسكندرية

وأوضح أن الخدمة متاحة يوميا من الساعة الحادية عشرة صباحا وحتى التاسعة مساء، ويتم تقديم الدعم النفسى سواء من خلال المكالمات الهاتفية أو عبر التوجه إلى أقرب فرع تابع للهلال الأحمر المصرى للحصول على المساعدة بشكل مباشر.

المجلس القومى للطفولة والأمومة

ولأن المرض النفسى لا يقتصر على الكبار فقط، فقد خصص المجلس القومى للطفولة والأمومة وحدة متخصصة للدعم النفسى للأطفال عبر الخط الساخن رقم 16000.

وعند التواصل، تم التعامل باهتمام واضح، حيث جرى تسجيل البيانات الشخصية لكلٍ من الطفل وولى الأمر، إلى جانب فتح ملف خاص بحالة الطفل، مع تخصيص رقم للملف يتم إبلاغه خلال المكالمة، لاستخدامه لاحقا فى متابعة الحالة وكل ما يتعلق بها.

كما تم التأكيد على أن التواصل مع الطبيب المختص يتم بشكل مباشر خلال أيام العمل الرسمية، يوميًا من الساعة التاسعة صباحًا وحتى الثالثة عصرًا، وذلك لضمان تقديم الدعم النفسى المناسب للأطفال ومتابعة حالتهم بصورة دقيقة ومنظمة.

دار الإفتاء المصرية

وبالطبع المشكلات الأسرية لا تقل خطورة عن غيرها من الأزمات النفسية، إذ قد تتسبب فى ضغوط حادة تؤثر على استقرار جميع أفراد الأسرة، وهو ما قد يتطور فى بعض الحالات إلى اضطرابات نفسية معقدة إذا لم يتم التعامل معه بشكل صحيح. ومن هذا المنطلق، حرصت دار الإفتاء المصرية على تقديم الدعم النفسى والإرشادى للأسر، بما يضمن الحفاظ على التوازن النفسى والاجتماعى داخل الأسرة، من خلال مركز الإرشاد الزوجى التابع للدار كإحدى أبرز الجهات التى تقدم استشارات متخصصة للزوجين بهدف تحسين جودة الحياة الأسرية، وقد تم التواصل مع المركز عبر الهاتف الأرضى 0225910678 لطلب تقديم الدعم النفسى والمساعدة فى حل بعض المشكلات الأسرية التى يواجهها أحد الأشخاص.

وخلال الاتصال، أوضح المسئول أنه فى حال موافقة الطرف المعنى على تلقى الإرشاد، يمكن التوجه إلى مقر المركز للحصول على جلسات مباشرة مع عدد من الشيوخ المتخصصين، حيث يتم الاستماع إلى الطرفين بشكل متأنٍ، ومناقشة تفاصيل المشكلة لفهم أبعادها المختلفة.

كما أشار إلى إمكانية انتقال فريق من المتخصصين إلى منزل الحالة، بعد التنسيق المسبق، وذلك لتقديم الدعم فى بيئة أكثر راحة للطرفين، بما يساعد على فتح باب الحوار بشكل أفضل.

ويعتمد المركز فى تدخله على تقديم نصائح وإرشادات تهدف إلى تحسين أساليب التواصل بين الزوجين، وتعزيز التفاهم، والحد من أسباب الخلاف وتقديم الدعم النفسى اللازم لهما.

ولا يتوقف دور المركز عند تقديم الاستشارة فقط، فقد أخبر المختص بأن الدور يمتد إلى المتابعة المستمرة من خلال إجراء اتصالات هاتفية دورية، للتأكد من تحسن الأوضاع، ومساندة الزوجين فى تطبيق التوجيهات المقدمة، فى إطار سعيه لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار النفسى والأسري.

للمؤسسات الأهلية دور آخر

ولا يقتصر تقديم الدعم النفسى على الجهات الحكومية فقط، بل تلعب المؤسسات الأهلية دورا مهما فى هذا الملف، من خلال توفير خدمات الدعم والإرشاد النفسي، والوصول إلى فئات قد لا تلجأ إلى القنوات الرسمية. وفى هذا السياق، تواصلنا مع عدد من هذه المؤسسات، من أبرزها مؤسسة مرسال ومؤسسة كيان مصر للتنمية، لرصد طبيعة الخدمات التى تقدمها وآليات دعمها للحالات النفسية المختلفة.

فعلى سبيل المثال، عند التواصل مع مؤسسة كيان مصر للتنمية عبر الرقم 01013636802، تم الرد من قبل إحدى المختصات، والتى أوضحت أن المؤسسة تقدم خدمات دعم نفسى موجهة بشكل أساسى للسيدات اللاتى يتعرضن للعنف، سواء الجسدى أو النفسي، لما لذلك من آثار مباشرة قد تصل إلى أذى نفسى شديد.

وخلال المكالمة تم السؤال عن كيفية تقديم الدعم النفسى لإحدى الحالات المقربة، وقد تم بالفعل شرح آليات تقديم الدعم، والتى تبدأ بفتح مساحة آمنة لسرد المشكلة والتعبير عن تفاصيلها، مع مناقشة تأثير العنف على الحياة اليومية للحالة، ومدى تعرضها لأى مخاطر قد تؤدى إلى إيذاء النفس.

وبناء على تقييم الحالة، يتم تحديد نوع التدخل المناسب، ففى الحالات التى يظهر فيها احتمال التعرض للخطر أو إيذاء النفس، يتم تحديد موعد زيارة عاجلة للتدخل السريع والدعم الفوري. أما فى الحالات الأخرى، فيتم تحديد مواعيد جلسات دعم نفسى منتظمة، مع إتاحة حرية استخدام الاسم الحقيقى أو اسم مستعار، وفق رغبة الحالة.

كما أكدت المختصة أن جميع المكالمات تتم فى إطار من السرية التامة، مع إعداد ملف خاص لكل حالة يُرمز إليه بالأحرف الأولى فقط، ويُمنح كود يضمن حماية البيانات وسرية المعلومات. وفى بعض الحالات، قد يتم تحويل الحالة إلى مستشفيات أو جهات طبية متخصصة، إذا استدعى الأمر الحصول على علاج للأمراض النفسية.

أما مؤسسة مرسال، فتعتمد بشكل أكبر على تقديم الدعم النفسى ضمن منظومة الرعاية الصحية الشاملة، خاصة للحالات التى تعانى من أمراض جسدية مزمنة أو خطيرة، وذلك من خلال الخط الساخن 19340. وتقوم المؤسسة بدور تكاملى يشمل تقديم الدعم النفسى للمرضى وأسرهم، إلى جانب المساعدة فى توفير الأدوية، وتسهيل إجراءات الحجز بالمستشفيات، مع توجيه الحالات إلى مختصين نفسيين عند الحاجة، بما يساعدهم على التكيف مع الضغوط المرتبطة بالمرض وتجاوز الأزمات النفسية المصاحبة له.

طوق نجاة

ومن جانبها، تُعلق د.سحر شعبان خبيرة الدعم الأسرى والمجتمعى على أهمية الأمر، مؤكدة أنه فى ظل ضغوط الحياة المتزايدة، للأسف أصبحت الضغوط النفسية تلاحقنا بشكل كبير، ولم تعد تقتصر على فئة بعينها، لذلك أصبحت الخطوط الساخنة للدعم النفسى طوق نجاة لكثير من الأشخاص الذين يعانون من وجع نفسى ويحتاجون إلى من يسمعهم ويطمئنهم، ويقول لهم: «أنت فى أمان، أنا أسمعك وأشعر بوجعك، لا تخف»، وهو ما يجعل المتصل يشعر بالراحة، ويخفف من الحمل النفسى الذى يعيشه بنسبة كبيرة قد تصل إلى 50%.

وتوضح أن الاستماع الجيد بإنصات من أخصائى مدرب يسهم فى خفض التوتر، ويمنع تدهور نوبات الهلع أو الأفكار الانتحارية اللحظية، كما يكسر دائرة العزلة، إذ إن مجرد تفريغ المشاعر بصوت مرتفع مع شخص داعم يمنح المتصل مساحة للتنفس، ويساعده على إعادة ترتيب أفكاره.
وتشير إلى أنه فى حال ظهور أفكار انتحارية مخططة، أو معاناة من اضطرابات شديدة مثل الأرق لعدة أيام متتالية، أو هلاوس سمعية وبصرية، يبدأ دور الخط الساخن فى التهدئة والتثبيت اللحظى، ثم تتم إحالة الحالة بشكل سريع إلى أقرب مستشفى أو مركز علاجى وأطباء متخصصين، مؤكدة أن الخط الساخن ليس بديلًا عن العلاج طويل المدى، وإنما يمثل حلقة وصل وتوجيه نحو المتخصصين.

ثقافة العلاج النفسى

وتلفت إلى أن كثيرًا من الأشخاص لا يلجأون إلى الطبيب أو الأخصائى النفسى، إما لغياب ثقافة العلاج النفسى، أو خوفًا من الوصمة المجتمعية، أو خجلًا، أو بسبب الإمكانيات المادية، لذلك تأتى أهمية الخطوط الساخنة التى غالبًا ما تكون متاحة على مدار 24 ساعة وبشكل مجانى، وتستطيع الوصول إلى المتصل سواء فى القرى أو المدن، وتؤكد أن من أهم ما يحرص عليه الأخصائى هو طمأنة المتصل بأن المكالمة تتم فى سرية تامة، وأن اسمه وبياناته محمية، وهو ما يشجعه على التحدث عن مشكلات مثل العنف أو الاكتئاب أو الإدمان دون خوف.

وتضيف أن ذلك يسهم فى تشجيع الكثيرين على اتخاذ خطوة التواصل، ما يستدعى تكثيف جهود التوعية المجتمعية للإعلان عن هذه الخدمات، ودعم ثقافة اللجوء إليها. كما أن هناك حالات تستدعى التدخل الفورى وطلب المساعدة، مثل استمرار الحزن والقلق دون تحسن لأكثر من أسبوعين، وفقدان الشغف بكل شىء، واضطرابات النوم أو الأرق لعدة أيام متتالية، ونوبات البكاء دون سبب واضح، والعزلة، ووجود أفكار لرفض الحياة، مؤكدة أن استمرار هذه الأعراض يستوجب التواصل الفورى مع الخطوط الساخنة للدعم النفسى.

واختتمت حديثها برسالة مباشرة، قائلة: لا تتردد ولا تترددى فى الاتصال بالخط الساخن، فالدعم النفسى حق أصيل لكل إنسان، وطلب المساعدة لا يعنى الضعف، بل هو دليل على الشجاعة، وخطوة قوية لحماية النفس من الانهيار، فمن حقك أن تتحدث وتعبر عن مشاعرك ومخاوفك، فالمتخصصون مؤهلون لمساعدتك حتى تصل إلى بر الأمان، مع التأكيد على أن المكالمة سرية تمامًا، وأن الاسم والهوية محميان، وأن الخطوة الأولى قد تكون الأصعب، لكنها الأقوى، وقد تكون الفارق الحقيقى بين الاحتراق والتعافى.

لا ضرر ولا ضرار

وفى هذا الصدد، يقول أحمد عبدالله بكير، مشرف الفتوى بمنطقة وعظ القاهرة بالأزهر الشريف، إن الله عز وجل خلق الإنسان وكرمه، وأرسل له رسولًا بكتب تحمل القانون الذى يضبط حياة الإنسان ويجعله يعيش سعيدًا مهما تكالبت عليه ضغوط الحياة، فيلجأ إليها فيجد الراحة والسكينة، مضيفًا أننا أصبحنا نعيش فى زمان كثرت فيه الضغوط، وتزاحمت فيه الهموم، وضاقت فيه صدور كثير من الناس، حتى أصبح الألم النفسى واقعًا يعيشه الصغير قبل الكبير، والرجل قبل المرأة.

وإن من رحمة الله بعباده أن جعل هذه الحياة دار ابتلاء، فقال تعالى: «الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا»، وقال تعالى: «لقد خلقنا الإنسان فى كبد»، أى فى مشقة وتعب.

فمن وجد فى نفسه حزنًا أو ضيقًا أو قلقًا، فليعلم أن ذلك لا يخرجه من دائرة الإيمان، ولا يدل على ضعف يقينه، فقد شكا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجد من شدة معاملة أهل الطائف له فقال: (اللهم إنى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس....)، وشكا يعقوب عليه السلام فقال: «إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله».

ولكن الخطر كل الخطر أن يستسلم الإنسان لليأس، أو يترك نفسه للأفكار المظلمة، أو يظن أن لا مخرج له، بل يجب عليه متى شعر بضيق أو هم أن يلجأ إلى الله، كما فعل موسى عليه السلام حينما قال: (رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير).

ولقد شكا الصحابة الكرام من شدة قسوة أهل مكة، فصبرهم النبى صلى الله عليه وسلم بذكر ما كان يحدث بالأمم السابقة، فكان الواحد منهم يوضع المنشار فى مفرق رأسه فيفرقه نصفين فما يرده ذلك عن دين الله شيئًا.

ومن عظم المنهج الإسلامى أنه لم يترك الإنسان فريسة للهم أو الحزن، فجعل له من الدعاء صباحًا ومساءً: «اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».

ويؤكد أن دين الإسلام العظيم عظم شأن النفس الإنسانية، وجعل حفظها من أعظم المقاصد، فقال ربنا جل وعلا: «ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا»، وقال تعالى: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، بل نهى عن تمنى الإنسان لنفسه الموت فقال: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرًا لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرًا لى».

إهلاك النفس

فكل ما يؤدى إلى إهلاك النفس أو الإضرار بها فهو منهى عنه، سواء كان ذلك فعلًا مباشرًا أو طريقًا يؤدى إليه، ومن هنا فإن ترك العلاج مع الحاجة إليه، أو كتمان الألم حتى يتفاقم، ليس من الصبر المحمود، بل هو تفريط فى حق النفس التى ائتمننا الله عليها.

ويشير إلى أن الإسلام جعلنا جميعًا أسرة واحدة يشعر بعضنا ببعض، انطلاقًا من قول الله تعالى: «إنما المؤمنون إخوة»، وقوله تعالى: «رحماء بينهم»، فإذا رأى أحدنا أخاه مهمومًا أو فى ضيق فليسارع بتخفيف همه وضيقه، كما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سيدنا جابر حينما قال له: «يا جابر ما لى أراك منكسرًا؟» قال: يا رسول الله استشهد أبى وترك دينًا وعيالًا (همّ بالليل ومذلة بالنهار)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أبشرك بما لقى الله به أباك؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا، فقال: عبدى تمنى على أعطك، فقال: أن أحيا فأقتل فيك ثانية...».

ومن أسباب لجوء بعض الأشخاص إلى إنهاء حياتهم والتعدى عليها كثرة الديون وأعباء الحياة، والمتأمل فى هذا الحديث يجد أن سيدنا عبد الله بن حرام كان عليه الكثير من الديون والعيال، ومع ذلك حينما قال الله له «تمنى على أعطك» لم يذكر سداد الديون ولا نفقة الأولاد، بل تمنى ما عند الله من الثواب.

ويؤكد أن من تمام هذا الدين أنه جمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، ولم يدعُ إلى ترك العلاج بحجة الإيمان، فقد قال النبى : «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء»، وهذا يشمل أمراض الأبدان وأمراض النفوس على حد سواء. فكما يذهب الإنسان إلى الطبيب إذا اشتكى جسده، فعليه أن يلجأ إلى المختص إذا ضاقت نفسه، فإن ذلك عبادة يؤجر عليها، وليس نقصًا يُعاب به.

ولقد صدق الإمام الغزالى حين قال إن حاجة الناس إلى طبيب الأرواح أشد من حاجتهم إلى طبيب الأشباح، وهذا يعنى أن الإنسان كما يحتاج إلى طبيب يعالج له مرض جسده، فإنه يحتاج أيضًا إلى من يواسيه ويعالج أمراض روحه، ولا أفضل من كلام الله وكلام سيدنا رسول الله فى تقويم الروح وتعديلها والتخفيف عنها، قال تعالى: «إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم».