قلب مفتوح

الشخصية المصرية أمن قومى

هشام عطية
هشام عطية


أصاب الشخصية المصرية عطب عميق، لا يرى بالأشعة، لكنه يتجلى فى مشاهد عنف صادمة ونهايات يائسة. جذوره قديمة، تعود إلى ذاكرة الجرح الأول فى السبعينيات حين مزقت سياسات «الانفتاح» الاقتصادى العشوائى النسيج الاجتماعى المتماسك، وحولت القيمة من العمل إلى الاستهلاك، والتى تصاحبت للأسف مع هبوب رياح التدين الصحراوى على مصر، والتى شغلت الناس عن جوهر الدين الحقيقى لصالح التدين الظاهري.

تعمق الجرح مع سيولة ما سمى بثورة يناير التى كسرت هيبة كل الضوابط الاجتماعية، وكان من نتائجها الكارثية أزمات اقتصادية متتالية حولت الضغط المعيشى إلى انفجار سلوكي، وانفتح المجال أمام انفعالات حادة كشفت هشاشة الوعى الجمعي. بلغ الضغط حد الاختناق، فتحول الإحباط إلى سلوك منفلت، وصارت أسباب هامشية كفيلة بإشعال جرائم جسيمة، بينما عكست الأسباب التافهة لبعض حالات الانتحار شعورا بانسداد الأفق وفقدان المعنى.

كل هذه العوامل السلبية المتشابكة أدت إلى تصدع عميق فى قيم المجتمع، وكشفت عن شروخ كبيرة فى منظومة أخلاقه، تراجعت معها سمات أصيلة للشخصية المصرية مثل الصبر والتسامح وخفة الظل، لصالح العبوس والتجهم، وصاحبها أنانية وعدوانية متصاعدة. فلم يعد الخلل اقتصاديا فقط، بل نفسيا أيضا، حيث تآكلت معايير القيمة والأخلاق التى كانت تحكم سلوك الأفراد داخل المجتمع، وحلت ردود الفعل اللحظية العنيفة الأنانية محل الرشد والاتزان.

الغياب والتراجع المريب لمربع الحماية الناعمة لقيم المجتمع أدى إلى مزيد من العطب فى الشخصية المصرية. فالأسرة تراجعت من مؤسسة للتنشئة إلى وحدة إعالة مثقلة بالأعباء، فانحسر دورها التربوي، والمدرسة سجلت فى دفاتر حضورها غيابا للتربية والتعليم معا. والإعلام انشغل بإيقاع الترند والإثارة، فساهم فى تسطيح الوعي. أما الخطاب الديني، فانشغل أحيانا بالشكليات أو بالوعظ المجرد.

أما الأخطر فكان الغياب شبه المتعمد لدور المؤسسات البحثية المتخصصة، التى يفترض أن تقدم تشخيصا علميا دقيقا لهذه الظواهر التى تنخر فى صميم أمننا القومي، وفى مقدمتها المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية. وحين تغيب المعرفة، يصبح القرار أسير الانطباع، وتدار الأزمات بلا بوصلة.

إنقاذ الشخصية المصرية يتطلب مشروعا قوميا لإعادة بناء الإنسان يتجاوز الشعارات، ويبدأ بتفعيل المراكز البحثية لتقديم حلول واقعية لأزمات العنف والانتحار، وثورة إعلامية وقيمية تعيد الاعتبار للقدوات الحقيقية داخل المجتمع وتنبذ ثقافة العنف، وتمكين الأسرة عبر برامج دعم نفسى واجتماعى تعيد لها قدرتها على التوجيه.

وأن تستعيد المدرسة دورها الغائب فى تهذيب الوجدان وتنمية العقول. 

استعادة الشخصية المصرية ليست رفاهية، بل هى ضرورة أمن قومي، فمهما بلغت مؤشرات النمو الاقتصادى والتطور، فإنها لن تحمى مجتمعا تتآكل فيه جدران النفس من الداخل. استعادة الشخصية المصرية الوسطية المتسامحة هى معركتنا الحقيقية، والانتصار فيها يبدأ بالاعتراف بوجود «العطب» لا إنكاره.