من حسن حظى أننى عندما كنت محررًا فى قسم التحقيقات الصحفية عام ١٩٨٢ تم تكليفى بتغطية انسحاب المحتل من مدينة رفح لإتمام الانسحاب الكامل من سيناء المحتلة بعد الخامس من يونيه ٦٧، بالطبع بقيت طابا التى مارسوا من خلالها ما هو معروف عنهم من المماطلة والجدال والتسويف فى كل العصور منذ أن ابتليت الأرض بهم، وهى التى تم استردادها بعد بضع سنوات فى مارس ٨٩ بعد معركة دبلوماسية خاضها رجال مصر، علماءً وخبراءً وجنودًا.
الشاهد التقينا بشاب - للأسف لا أذكر اسمه - أصر على اصطحابى فى سيارته الخاصة أنا وزميلى المصور مناع محمد إلى الطريق من العريش إلى رفح الذى يبلغ طوله مائة كيلو تقريبًا.
وصلنا إلى السلك الشائك الذى يقع على الحدود بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية، وهو السلك الذى مر على منزل لأسرة فلسطينية فقسمه إلى نصفين، فتح أصحابه بابًا على رفح الفلسطينية وآخر على رفح المصرية، واستطاع زميلى المصور الراحل رضا مصطفى ممثلًا عن مجلة آخر ساعة التقاط صورة للأم وهى تقدم صينية الطعام لابنتها من تحت السلك الشائك، وهى الصورة الأشهر عن هذا الانسحاب، حيث احتلت الصورة صفحتى المنتصف للمجلة فى حجمها السابق وهو ما يطلق عليهما «الدوبل» فى عرفنا الصحفى.. وهى الصورة التى منحه الراحل موسى صبرى مكافأة خيالية بسببها.
من المشاهد التى لا أنساها ما آلت إليه قرية ياميت السياحية والتى كان هناك جدال بين مصر والكيان الذى رفض عرض مصر لشرائها فدخلناها وإذا بها حطام وركام وآثرت العقلية الصهيونية أن تبيد حتى ما صنعت يداها من جمال ليتحول إلى شكل قبيح.
متمثلين مقولة شمشون «علىّ وعلى أعدائى»، هو مشهد إن نمَّ عن شىء فهو الحقد والكره الذى يكمن فى نفوس هؤلاء ضد قيم الخير والجمال طالما ليس فى يدهم فلا يمكن أن يتركوه لغيرهم حتى لو دفعوا ما يطلبونه من أموال.
لم نكن نعرف أطباق الدش بعد ولكنها كانت على أسطح منازل أهالى مدينتى الشيخ زويد ورفح، وكان الطريق من العريش إليها يمتلئ بأكياس الفراولة على الأرض الزراعية وهى الشىء الوحيد الذى تركوه توفيرًا لنفقات إهلاكه.
على طول طريق السلك الشائك على الحدود وقف فى الناحية الأخرى جندى من الصهاينة أشقر ذو عينين خضراوين فقلت لزميلى المصور: كيف ينظر إلينا بترقب وتحفز وكان رده المفاجئ بعربية فصيحة «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
أى سلام يا رجل.. الأيام بيننا.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







