«رسوم عبور هرمز».. ورقة إيران الجديدة لإعادة بناء اقتصادها

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


كتبت - مي فرج الله

تتزايد المخاوف في أسواق الطاقة العالمية من تداعيات التحركات الإيرانية الأخيرة في مضيق هرمز، والتي قد تعيد تشكيل خريطة تسعير النفط والتجارة البحرية لسنوات مقبلة.

ففي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واستمرار الاضطرابات الأمنية في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، يبرز مقترح طهران بفرض رسوم مرتفعة على ناقلات النفط كعامل ضغط إضافي قد يدفع الأسعار نحو موجة صعود ممتدة.

وبحسب صحيفة الجارديان البريطانية تسبّب القرار الإيراني بفرض رسوم تصل إلى مليوني دولار على ناقلات النفط العابرة للمضيق في إثارة مخاوف واسعة من ارتفاع أسعار النفط عالميًا، خاصة في ظل محدودية البدائل أمام حركة التجارة عبر هذا الشريان الحيوي، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية.

كما قوبل بانتقادات حادة من مسؤولين في واشنطن ومحللين اقتصاديين، الذين اعتبروا أنه يهدد بحرية الملاحة ويرفع تكاليف الطاقة عالميًا.

ويتزامن طرح هذا المقترح مع انطلاق جولة جديدة من محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تجدد الهجمات على ناقلات النفط وتشديد الحصار الأمريكي على السفن الإيرانية، ما يعكس بيئة جيوسياسية معقدة .


فرض رسوم عبور على السفن بمضيق هرمز

ويقترح برنامج السلام الإيراني، الذي يتضمن عشر نقاط، منح كل من إيران وسلطنة عُمان صلاحية فرض رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار على كل ناقلة تمر عبر المضيق ، وتؤكد طهران أن هذه العائدات ستُستخدم في تمويل جهود إعادة الإعمار.

وكما يتضمن المقترح تنظيم المرور البحري تحت إشراف عسكري مباشر، حيث تُلزم السفن بتقديم بيانات تفصيلية تشمل الحمولة والوجهة والمالك النهائي، قبل سداد رسوم عبور لا تقل عن دولار واحد لكل برميل نفط.

وبالنظر إلى أن الناقلة الواحدة تحمل في المتوسط نحو مليوني برميل، فإن تكلفة العبور قد تصل إلى مليوني دولار، تُدفع إما باليوان الصيني أو العملات الرقمية.

وبعد استكمال الإجراءات، ترافق زوارق تابعة لـ الحرس الثوري الإيراني السفن خلال عبورها عبر ممر ملاحي ضيق بالقرب من السواحل الجنوبية لإيران.

رسوم العبور تتعارض مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار

وفي المقابل، أكد عدد من محللي الطاقة، في تصريحات لصحيفة الجارديان البريطانية ، أن هذا النظام يتعارض بشكل مباشر مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تكفل حق المرور العابر دون عوائق عبر المضائق الدولية، بما في ذلك مضيق هرمز.

ورغم أن نحو 170 دولة والاتحاد الأوروبي صادقوا على الاتفاقية، فإن إيران والولايات المتحدة لم تنضما إليها رسميًا، مع تأكيد واشنطن رفضها لأي محاولة لفرض سيطرة منفردة على المضيق.

وتبرز كذلك عقبة العقوبات الدولية، إذ تخضع إيران لحزمة معقدة من العقوبات تقودها الولايات المتحدة وبريطانيا، ما يجعل من غير المرجح أن تقوم شركات الشحن الغربية الكبرى بدفع رسوم إلى الحرس الثوري الإيراني.

وعلى صعيد التكلفة، أشار المحللون إلى أن إضافة دولار واحد فقط لكل برميل نفط يمر عبر المضيق قد ترفع التكاليف بنحو 20 مليون دولار يوميًا، أو ما يقارب 7 مليارات دولار سنويًا، استنادًا إلى مستويات التدفقات قبل الأزمة. ورغم أن هذا الرقم يبدو محدودًا مقارنة بسوق طاقة عالمي تُقدّر قيمته بنحو 3 تريليونات دولار، فإن تأثيراته التراكمية قد تكون كبيرة على سلاسل الإمداد والأسعار.

كما تزداد الشكوك حول إمكانية عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية في ظل هذا النظام، حيث يُرجّح أن تتجاوز التكلفة الفعلية لعبور المضيق قيمة الرسوم المعلنة، نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب زيادة أجور البحارة العاملين في مناطق عالية المخاطر.

وقد أدى الإغلاق الفعلي للمضيق، الذي كان يشهد عبور نحو 20 مليون برميل من النفط والغاز يوميًا، إلى خفض الصادرات من المنطقة بنحو 10 ملايين برميل يوميًا، ما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط. 

استمرار ارتفاع أسعار النفط

كما يشير محللو أسواق الطاقة إلى أن استمرار اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز سيُبقي أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعًا، مع تقديرات ببقاء الأسعار قرب 100 دولار للبرميل خلال معظم العام الجاري، واحتمالات استمرار الضغوط الصعودية حتى عام 2027.

ويعزو الخبراء هذه التوقعات إلى محدودية البدائل المتاحة لنقل النفط والغاز من منطقة الخليج، حيث لا تزال خطوط الأنابيب القائمة غير كافية لتعويض الكميات المفقودة ، كما تحيط شكوك كبيرة بقدرة الدول المنتجة في الشرق الأوسط على استعادة مستويات الشحن السابقة، في ظل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، والوقت اللازم لإعادة تشغيل الحقول المتوقفة. وفي الوقت ذاته، تدفع التكاليف المرتفعة والمخاطر القانونية والتحديات الأمنية المتزايدة العديد من تجار النفط إلى تجنب شراء الخام الخليجي، حتى في حال السماح بمروره تحت ترتيبات جديدة، ما يزيد من تعقيد المشهد.

عوائد اقتصادية للحرس الثوري الإيراني

وبحسب تقديرات، فإن الرسوم المفروضة على عبور السفن بـ"مضيق طهران" قد تمنح الحرس الثوري الإيراني مصدر تمويل مهم لإعادة بناء قدراته العسكرية، فضلًا عن دعم الاقتصاد الإيراني الذي يعاني من ضغوط حادة ، كما أن إحكام السيطرة على المضيق قد يتيح لطهران استئناف صادرات النفط، التي تُعد شريانًا حيويًا للاقتصاد، بعد توقفها نتيجة الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية.

ويمثل هذا النفوذ المحتمل مصدر دخل طويل الأمد قد يُسهم في إعادة بناء البنية التحتية، في وقت تشير فيه بيانات رسمية إلى فقدان نحو مليوني شخص وظائفهم نتيجة إغلاق المصانع والمتاجر خلال الحرب، وفقًا لتصريحات مسؤولين في وزارة العمل الإيرانية، وسط ترجيحات بأن تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك.

وعلى الصعيد الدولي، قدّر اقتصاديون في مركز بروجيل أن الاقتصاد العالمي قد لا يتأثر بشكل كبير في حال استمرار سيطرة إيران على المضيق، مشيرين إلى أن الجزء الأكبر من التكلفة الإضافية سيتحمله منتجو النفط في الخليج، بنسبة تتراوح بين 80% و95%، بما يصل إلى 14 مليار دولار سنويًا.

ووفقًا لهذه التقديرات، قد ينعكس ذلك على الأسعار العالمية بزيادة محدودة نسبيًا تتراوح بين 0.05 و0.40 دولار للبرميل مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. ومع ذلك، يحذر محللون من أن الخطورة الحقيقية تكمن في سابقة فرض السيطرة على ممر مائي دولي، وما قد يترتب عليها من تعطيل طويل الأمد لتدفقات النفط.

وفي هذا السياق، حذر فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، من تداعيات خطيرة لاستمرار تعطل المضيق، واصفًا الوضع بأنه قد يمثل "أسوأ أزمة إمدادات طاقة في التاريخ"، مضيفًا أن ما يحدث "عبثي لكنه واقع قائم".