د. هاني أبو العلا يكتب: التخطيط العمراني: دروب الإنجاز في زيارة ميدانية

د. هاني أبو العلا
د. هاني أبو العلا


في زيارة ميدانية بصحبة عدد من طلابي لاستكشاف ملامح التطور الحضاري والتنمية العمرانية في مصرنا الجديدة، قمتُ بزيارة ميدانية إلى الهيئة العامة للتخطيط العمراني، تلك المؤسسة العريقة التي تلعب دوراً محورياً في رسم ملامح مستقبل المدن والقرى، وتوجيه السياسات العمرانية بما يتوافق مع الرؤى التنموية المصرية، حيث كانت الزيارة فرصة ثمينة للتعرف على منظومة العمل، والإنصات إلى مجموعة من العروض التي توضح جهود الهيئة لتحقيق التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة للمواطنين، تحت رعاية وإشراف السيد الدكتور مهندس ياسر عبد الحميد رئيس الهيئة. 

ولعل اختياري للهيئة العامة للتخطيط العمراني كوجهة للدراسة الميدانية، جاء لتلك الأهمية الاستراتيجية التي توليها الدولة المصرية للقطاع العمراني، باعتباره أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة، في ظل التحديات التي فرضتها التغيرات السكانية، والتوسع العمراني السريع، والحاجة إلى تخطيط حضري يراعي التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، بل وكان الرهان على جهود الدولة المصرية في هذا السياق ناجحاً أمام أعين طلابي، اللذين لم يتبقى من الوقت لتخرجهم إلا أيام معدودات، فقد تيقنوا من إن الهيئة العامة للتخطيط العمراني بجهود هذا الفريق المتميز باتت تمثل القلب النابض لتلك الجهود، من خلال وضع السياسات، وإعداد الدراسات، وتقديم الحلول المبتكرة التي تسهم في تنظيم النمو العمراني بشكل متوازن ومستدام، بالإضافة لرسم ملامح المستقبل الحضري للبلاد، من خلال جهودها الحثيثة. 

ومن اللافت للنظر إن السادة المستضيفين قد حرصوا في عروضهم على تقديم رؤية استراتيجية تتخطى الحاضر، فكانت نقطة التلاق في كل العروض هي النظرة الاستشرافية لخريطة لمستقبل التنمية العمرانية في مصر، فكان دور الهيئة والتزامها بوضع استراتيجيات تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة، وتواكب التطورات الحديثة في مجال التخطيط على مستوياته الثلاث (القومي، والإقليمي، والمحلي) واضحاً جليا، وقد تم استعراض الخطوط العريضة لبعض الخطط طويلة المدى، التي تهدف إلى تحقيق تنمية متوازنة توازن بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع التركيز على تحسين جودة الحياة للمواطنين، وتوفير بيئة عمرانية ملائمة تستجيب لمتطلبات النمو السكاني والتحديات المناخية.

وخلف هذا الحشد من الجهود المبذولة لتحقيق التوازن والعدالة في توزيع الموارد والمقومات وبين متطلبات تنمية المناطق ذات الأولوية مع تلك التحديات الاستراتيجية، التي تتطلب حكمة وتخطيطًا مدروسًا يضمن الاستجابة لدعوة القيادة السياسية لتحقيق التوزيع العادل، الداعم للتنمية الشاملة وتقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، فهناك فريق نشط من السادة العاملين بالهيئة يعملون ليل نهار كخلية النحل، في إدراك تام للمشكلات التخطيطية لنحو 230 مدينة، و4667 قرية، و24925 عزبة في ربوع مصرنا المحروسة، تحت رعاية أبوية من السيد الدكتور رئيس الهيئة، في إطار السعي نحو تحقيق رؤية مصر 2030، ورسم خريطة طريق واضحة المعالم لتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة، على الصعيد العالمي، مع مراعاة خصوصية واحتياجات كل شبر في مصر المحروسة، لضمان مستقبل مزدهر يلبي تطلعات الشعب المصري ويواكب متطلبات العصر.

وفي إطار مواكبة التطور التكنولوجي، لا يمكن إغفال تلك الإنجازات والتطورات الملحوظة في عمليات التخطيط الحضري على مستوى المحافظات والمدن الكبرى، حيث أشرفت الهيئة ونفذت العديد من المخططات الاستراتيجية والتفصيلية لمناطق حضرية جديدة، مع التركيز على دمج مفاهيم التنمية المستدامة، وتقليل التمدد العمراني العشوائي، كما طورت الهيئة حشد من قواعد البيانات الجغرافية الديناميكية، إعتمادا على نظم المعلومات الجغرافية (GIS) والتكنولوجيات الحديثة، وربما جاءت باكورة إتاحة المعلومات عن المعمور المصري والبيانات التخطيطية الخاصة به عبر لوحة ارشادية رقمية Dashboard حديثة ومتاحة بشكل مجاني على الموقع الالكتروني للهيئة، بمثابة منصة إلكترونية متطورة تتيح للمواطنين وأصحاب المصالح الاطلاع على المخططات والخطط، والمشاركة بآرائهم وملاحظاتهم بشكل مباشر بهدف اتخاذ القرارات الاستراتيجية بشكل أكثر دقة وفاعلية، مما يعكس حرص الهيئة على إشراك المجتمع في عملية التخطيط وتعميق عملية الشفافية.

وفي ختام الزيارة الميدانية، أكد السيد الدكتور رئيس الهيئة والسادة مديري الإدارات على أن الهيئة تعمل بجد لمواجهة التحديات المستقبلية، والتي تتعلق بزيادة الطلب على السكن والخدمات، والتغيرات المناخية، والحاجة إلى بنية تحتية حديثة ومتطورة، مع ضرورة تكثيف جهود البحث والتطوير، والاعتماد على التكنولوجيا الذكية، وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، لضمان أن تلبي المدن المصرية تطلعات الأجيال القادمة.

كاتب المقال، كاتب ومحلل وأستاذ العمران ونظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم.