د. خالد سعيد يكتب: إسرائيل بين «زئير الأسد» و«مواء القط» في إيران

د. خالد سعيد
د. خالد سعيد


■ بقلم: د. خالد سعيد

في عبارة بسيطة وفى مصطلح سياسى أبسط وعبر شرح مفصل لمجريات الحرب الإسرائيلية على إيران وصفت صحيفة «معاريف» العبرية ما جرى من عمليات عسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جانب وإيران من جانب آخر بأنها بدأت بـ«زئير الأسد» وانتهت بـ«مواء القط».

صبيحة الثامن والعشرين من فبراير الماضى خرج علينا رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بإعلانه الحرب الثانية على إيران، والتى أطلق عليها اسم «زئير الأسد» - الحرب الأولى التى وقعت فى الثالث عشر من شهر يونيو الماضى كان اسمها «الأسد الصاعد» واستمرت لـ12 يوما فقط - وهى أسماء ذات دلالة دينية وتاريخية، بزعم أن إسرائيل باتت أقوى من أى وقت مضى، وأن مؤشرها فى صعود، كما يردد أنصاره ومؤيدوه، مثل بن جفير وزير الأمن القومى، وسموتريتش وزير المالية؛ غير أن آفى أشكنازى المحلل السياسى بصحيفة «معاريف» قد خرج علينا بمقال مهم وخطير كشف فيه «شبكة العنكبوت» الحقيقية، وأكد أن بلاده باتت كـ«مواء القط».

فى تحليله لمجريات الحرب الإسرائيلية على لبنان وما سبقها من حرب أمريكية مشتركة على إيران، لفت إلى أن إيران باتت المتحكمة فى نتائج الحرب ولها اليد العليا وهى من أجبرت تل أبيب على وقف إطلاق النار فى الجنوب اللبنانى، ودخول الهدنة بين الطرفين حيز التنفيذ، فى حالة من التوصيف الساخر لنتائج الحرب على الجانبين الإيرانى واللبنانى، ليعكس بدوره ما جرى فعليا من نتائج على الأرض.

لم يقتصر الأمر على تمجيد نتائج الحرب للجانب الإيرانى، ولم يكتفِ «أشكنازى» فى مقاله الخطير بذلك، بل أشار إلى أن الإدارة الأمريكية هى التى قررت إعلان الهدنة فى لبنان، وتل أبيب علمت بذلك كغيرها من سائر الدول حول العالم، غير أنى فى هذا السياق لا ولم أنكر وجود تنسيق مشترك بين الجانبين الأمريكى والإسرائيلى، خاصة أنهما افتقرا للذخيرة والسلاح خلال المراحل الأخيرة من الحرب على إيران ولبنان، وهو ما أكدته وسائل إعلام أمريكية وعبرية فى آن واحد، فضلا عن سيادة الشعور بالإحباط واليأس، ولعل صور أطباق الطعام شبه الفارغة، التى يتم تقديمها على متن المدمرات الأمريكية تؤكد ذلك - بحسب صحيفة أمريكية -. 

غير أن المتابع لمسار الحرب يدرك من الوهلة الأولى أن وقف الحرب فى لبنان جاء نتيجة لتوافقات أمريكية إيرانية، ضمن سياق تفاوض ثنائى بين طهران وواشنطن، وهو ما جعل إيران تفتح بدورها مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية فور الإعلان عن دخول الهدنة بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ، خاصة أنه من بين الشروط الإيرانية المعلنة لوقف الحرب أمام الجانبين الأمريكى والإسرائيلى كان وقف الحرب على جميع الجبهات، فى إشارة واضحة إلى الحرب على لبنان. 

الثابت أن عبارة «مواء القط» تتماشى تماما مع ما جرى من نتائج للحرب على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، ويبدو أن إيران خرجت منتصرة من تلك الحرب، بل وأضافت إلى شروطها السابقة تعويضات وفرض رسوم للمرور من المضيق، وهى إملاءات لم تكن موجودة من قبل على مائدة المفاوضات أمام الطرف الأمريكى، فيما لم يختفِ حزب الله من لبنان، ولا عناصر «حماس» من قطاع غزة، فكثير من معارضى حكومة نتنياهو يسخرون من نتائج تلك الحرب التى امتدت لـ40 يوما كاملة، وهى ليست على إيران فقط، أو الجنوب اللبنانى أيضا، وإنما وصلت تكلفتها على إسرائيل إلى 17.5 مليار دولار، حيث رصدت القناة 12 العبرية فى أحدث تقرير لها أن هذه الأرقام «أولية» ويتوقع تحديثها لاحقا بتكاليف إعادة الإعمار المرتقبة.  

تقرير أو مقال «معاريف» كشف أن حكومة نتنياهو تلقى الوعود الجوفاء على مستوطنى الشمال وخاصة المناطق القريبة من الحدود مع لبنان، حيث شدد «آفى أشكنازي» على أن تلك الحكومة لم تر هؤلاء المستوطنين حتى من مسافة نصف متر، ولا تحسب لهم أى حساب ولا يتم أخذهم فى الاعتبار، كما ذكر أن سياسات نتنياهو العمياء أضاعت ما وصفه بـ«الإنجازات العسكرية للجيش الإسرائيلى» فى المعركة على الجبهتين (إيران ولبنان). 

الغريب أن كلمة «مواء القط» لم يستخدمها «أشكنازى» وحده، وإنما سبقه المؤرخ الإسرائيلى موشيه ألخنتى، حينما استخدمها فى مقال مطوَّل له بصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية فى السابع والعشرين من مارس الماضى، أى أثناء رحى الحرب نفسها، مما يؤكد أن المصطلح يبدو أنه تم «صكه» فى إسرائيل، للدلالة على الفشل فى الحرب، وللتأكيد على انجرار نتنياهو وراء مجموعة من الأوهام والأساطير.