«لم تكن علاقة نجيب الريحانى بالسينما قوية مثلما كانت مع المسرح. فقد كانت له تجربتان كادتا أن تبعداه عنها تمامًا.
حواديت المآذن
بدأ السلطان حسن فى تشييد مدرسته 1356م، وكان عمره 22 عامًا. تبدو السن صغيرة، لكنه كان فى تلك الفترة فى الثلث الأخير من عمره؛ إذ إنه قُتِلَ بعدها بنحو خمس سنوات. حرص السلطان على أن تكون القبة بالغة الفخامة لكى تضم جثمانه بعد رحيله، فأبدع المهندس فى تشييدها وزخرفتها، بل إنه خرج عن العرف المتّبع فيما سبقه من المساجد فوضع القبة أمام محراب المنبر وفصل بينهما بجدار ضخم فى الصحن لتتسع الرؤية. الأروقة الأربعة تنتصب شامخة، ومن أعلى تُطل المئذنتان الباقيتان، كأنهما تشعران بالحنين لزمن كان يحفظ للمآذن قدرها.
فى كتابه «حواديت المآذن: التاريخ السرى للحجارة» (دار الفؤاد، 2020)، يقول إيهاب الحضرى إنه عندما شرع السلطان حسن فى البناء كان يخطط لتشييد أربع مآذن لكنه لم يبنِ سوى ثلاث، بعدها بسنوات سقطت تلك الواقفة على الباب فقتلت نحو ثلاثمئة شخص من بينهم أطفال كانوا فى الطريق وكبار كانوا فى القبو أو مرّوا صدفة فى الطريق، واعتبر الناس أن الحادث نذير شؤم وتنبأوا بقرب زوال حُكم السلطان حسن، وهو ما تحقق بعدها بفترة قصيرة.
يستحضر مسجد «الملكة صفية» ذكريات نزاع غريب بين ملكة عثمانية لم تزر القاهرة إطلاقًا ومملوك لها بدأ تشييد الجامع ثم مات قبل أن يكتمل، وكان يمكن أن يحتفظ المسجد باسمه حتى الآن لو جاء الحُكم لصالحه. فى أحد أيام عام 1594 نظرت هيئة المحكمة بإسطنبول الدعوى.
وكان عثمان آغا قد بدأ تشييد المسجد وخصص له أوقافًا كثيرة شملت 400 فدان فى منوف وعقارات بحى بولاق منها 17 شونة و32 دكانًا و15 رَبعًا و5 آبار. خلال التشييد مات عثمان آغا، ولأنه من مماليكها رفعت الملكة صفية، زوجة السلطان العثمانى مراد الثالث، الدعوى وأوكلت عنها عبد الرازق آغا الذى أكد أن عثمان عبدٌ لها وبالتالى لا يحق له بناء الجامع ولا تخصيص أوقاف له، وقدَّم فتوى دينية بأن من حق السيدة أن تستحوذ على كل ممتلكات مملوكها.
لكن الطرف الثانى فى الدعوى أقسم أن الملكة أعتقت عثمان قبل إنشاء المسجد ثم طلب سماع شهادتها بشكل مباشر فوافق القاضى على طلبه وأرسل مندوبين إلى القصر أقسمت أمامهما الملكة صفية أنها لم تُحرر عبدها قبل وفاته، وبهذا صدر الحُكم لصالحها وتم إلغاء الوقفية واستُكمل بناء المسجد وصار باسمها، ليصبح ثالث جامع أُقيم على الطراز العثمانى بمصر بعد «سليمان باشا» بالقلعة و«سنان باشا» فى بولاق.
البحث عن قطز
كيف للقاهرة، التى يُرى فى أُفقها أشهر قبور البشرية، الأهرامات الثلاثة، والتى فى نسيج عمرانها السكنى تقف مشاهد وأضرحة رمزية بناءً على رؤى فى المنام، كيف لا يوجد فيها ضريح ولو رمزى للسلطان المظفر سيف الدين قطز (ت 658هـ-1260م) قاهر المغول ومحرر القدس من التتار؟
يعلل ذلك قطب الدين اليونينى فى «ذيل مرآة الزمان» (دار الكتاب الإسلامى، 1992) فيقول:
«وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر والناس فى جذل وسرور وفرح وحبور، فلما أسفر الصبح وطلع النهار لم يشعر الناس إلا والمنادى ينادى يا معشر الناس رحمكم الله ترحموا على الملك المظفر وادعوا لسلطانكم الملك القاهر ركن الدين بيبرس فوجموا الناس لما به دهموا خوفًا من عود دولة البحرية إليهم وإلقاء كلكلها عليهم» (جـ1، ص 372).
ولعل دفنه بالقاهرة، كان ليحوِّل الاستقبال الشعبى الذى لم يتم، إلى احتفال جنزى يقلقل من رسوخ الشرعية السلطانية الجديدة؛ لذا وورى جثمانه فى بادئ الأمر فى القصير بمحافظة الشرقية، عقب مقتله فى موكب العودة من عين جالوت إلى القاهرة. وينقل المؤرخ ابن تغرى بردى عن اليونينى راويًا:
«وقتل الملك المظفر قطز مظلومًا بالقرب من القصير وهى المنزلة التى بقرب الصالحية وبقى مُلقى بالعراء فدفنه بعض من كان فى خدمته بالقصير وكان قبره يُقصَد للزيارة دائمًا».
يذكر تقى الدين المقريزى معلومة لاحقة، حيث يقول:
«وحُمِلَ قطز بعد ذلك إلى القاهرة، ودُفِن بالقرب من زاوية الشيخ تقى الدين قبل أن تُعمر، ثم نقله الحاج قطز الظاهرى إلى القرافة ودفن بالقرب من زاوية ابن عبود».
تضيف الباحثة سارة حسن مرزوق فى كتابها «الزيارة: رسائل من قرافة الإمام الشافعى» (دار المعارف، 2026):
«ولعل هذا ما ذهب إليه الحاج قطز الظاهرى، حامل اسم القاتل والمقتول، أن يختم سيرة البطل بالمكان الحقيق به؛ إذ قد يكون قبره الثالث جاء بعدما انتفت الأسباب، أى موت بيبرس؛ ليحمله الرجل الغامض إلى الجبل المقطم؛ لم تذكر الكتب نياته، لكنها واضحة، الطمع لقطز فى موضعٍ بغراس الجنة، مكانه ومطرحه بين أسرة الأولياء والأئمة وعامة المصريين، بقرافة الجبل المقطم» (ص 26).
الريحانى بين «ياقوت» و«سلامة»
«لم تكن علاقة نجيب الريحانى بالسينما قوية مثلما كانت مع المسرح. فقد كانت له تجربتان كادتا أن تبعداه عنها تمامًا. التجربة الأولى بدأت عندما تلقى برقية من أميل خورى سكرتير جريدة «الأهرام» تحمل تحويلًا بمبلغ خمسين جنيهًا ويطلب منه أن يوافيه فى باريس لتصوير فيلم لحساب الشركة «جومون» بعنوان «ياقوت»، فعلى الرغم من جودة السيناريو الموضوع باللغة الفرنسية، فإنه عند الترجمة للعربية كان سيناريو هزيلًا، ولكن لم يكن لدى الريحانى فرصة للرفض بسبب حاجته للنقود، كما أنه خشى أن يعود إلى مصر، ويعطى فرصة للشائعات لتلوك سيرته وتشكك فى قدرته على التمثيل فى السينما.
وبالفعل تم التصوير فى أسبوع واحد وبالفعل كانت النتيجة متوقعة، فقد فشل الفيلم فشلًا ذريعًا. أما التجربة الثانية فقد كانت فى عام 1931، حين عرض عليه استیفان روستى والمصور «كبارينى» تقديم فيلم بعنوان «صاحب السعادة كشكش بيه»، استغلالًا لنجاح شخصية كشكش بيك المسرحية، وبالفعل حقق الفيلم نجاحًا لم يكن متوقعًا، ورغم ذلك النجاح فإن الريحانى لم يكن راضيًا عما قدَّمه، فالفيلم كان مجرد اسكتشات كوميدية لا تربطها قصة، مما دفع الريحانى لإسقاطه من حساباته وعدم اعتباره بداية حقيقية له فى السينما.
فى ذلك الوقت كان الريحانى يواصل نجاحاته المسرحية فقدَّم رواية «الدنيا لما تضحك»، فعرض عليه بعض الممولين بطولة فيلم «بسلامته عاوز يتجوز»، مقابل ثمانمئة جنيه مصرى وخمسة فى المئة من الإيراد.. فاضطر الريحانى إلى الموافقة لسببين: الأول هو حاجته الماسة لهذا المبلغ لتدعيم فرقته المسرحية، أما السبب الآخر فهو تعويض ما فاتـه مـن فشل فى فيلمه الأول «ياقوت». كان مخرج الفيلم أجنبيًا، وبدأ تصوير الفيلم بالفعل، وبدأت المشكلات تدب بين الريحانى والمخرج، فقد كان يُعبِّر عن عكس ما يريده الريحانى، وكانت إرشاداته للممثلين فى المواقف الفكاهية باعثة على البكاء لا على الضحك.
وحين عُرِضَ الفيلم لقى نفس مصير فيلمه الأول، مما دفع الريحانى إلى أن يتخذ قرارًا بعدم العودة مرة أخرى للسينما.. والاكتفاء بنجاحاته على المسرح، حتى جاءه عرض أحمد سالم مدير استوديو مصر ببطولة فيلم من إنتاج الشركة. وكان فيلم «سلامة فى خير». ونستطيع أن نقول إنه يمثل البداية الحقيقية لنجيب الريحانى فى السينما» (أمل عريان فؤاد، الضاحكون الباكون، وكالة الصحافة العربية، 2008).
آخر الكلام
الحُلم بابٌ خلفى للأمَل، ومدخلٌ رئيسى لقصر الحياة.

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







