«غربان اليابان» تذهل العلماء.. ذكاء يعيد تعريف قدرات الطيور

غربان اليابان
غربان اليابان


أظهرت دراسات ميدانية حديثة أن الغربان في اليابان تمتلك قدرات عقلية متقدمة تفوق التوقعات، لتقترب في سلوكها من الكائنات الأعلى ذكاءً، هذه النتائج، التي توصل إليها عالم الطيور هيرويوشي هيغوتشي، تسلط الضوء على عالم خفي من التفاعل الذكي بين الحيوان والبيئة الحضرية.

اقرأ أيضًا | منها التقليل من شأن ذكائهم | أخطاء يجب تجنبها عند التعامل مع الغربان

على مدار أكثر من خمسين عاما من البحث، وثق هيغوتشي، الأستاذ الفخري بجامعة طوكيو، مجموعة مذهلة من السلوكيات التي كشفت عن مستوى غير مسبوق من الإدراك لدى الغربان اليابانية، وقد عرض هذه الملاحظات في كتابه «ملاحظات عن الغربان اللصة»، حيث أشار إلى أن هذه الطيور لا تزال تفاجئ العلماء بقدرتها على التعلم والتكيف.

ومن أبرز ما تم رصده، سلوكيات معقدة ومتنوعة، من بينها ما يُعرف بـ«غربان السيارات»، التي تستغل مرور المركبات لكسر قشور الجوز الصلبة، عبر إلقائها أمام العجلات، كما ظهرت «غربان الحجارة» التي تضع الحصى على سكك القطارات، و«غربان الحمامات» التي ترتاد الحمامات البخارية، بالإضافة إلى «غربان الصابون» التي تسرق الصابون من المنازل، و«غربان النار» التي تلتقط الشموع المشتعلة من المعابد، في سلوكيات أثارت دهشة واسعة داخل المجتمع العلمي والإعلامي.

ومن أكثر الاكتشافات إثارة، ما تم رصده في مدينة يوكوهاما خلال الفترة بين مارس وأبريل 2018، حيث تمكنت إناث «غراب الجيف» من تشغيل صنابير المياه ذات المقابض الدوّارة باستخدام مناقيرها، ولم يقتصر الأمر على الشرب، بل أظهرت هذه الطيور قدرة على التحكم في تدفق المياه، بزيادة قوة اندفاعها عند رغبتها في الاستحمام، ما يعكس فهمًا واضحًا للعلاقة بين السبب والنتيجة.

وأكد سكان محليون، أن هذا السلوك بدأ في الظهور منذ عام 2017، فيما أشارت دراسات لاحقة إلى تسجيل حالات مشابهة في مدن أخرى مثل سابورو، لكنها اقتصرت على الصنابير ذات الرافعة، والتي تُعد أسهل في التشغيل مقارنة بالمقابض الدوّارة.

وعند مقارنة هذه الظواهر عالميًا، تبين أن حالات مماثلة تكاد تكون نادرة للغاية، حيث سُجلت حالة واحدة فقط في الصين لغراب أليف قادر على تشغيل صنبور برافعة، بينما لم تُرصد القدرة على تدوير الصنابير إلا لدى الغربان اليابانية، كما أن استخدام السيارات لكسر الجوز لم يُلاحظ خارج اليابان، خاصة في مدن مثل أكيتا وسينداي، حيث تُظهر الغربان تخطيطًا ذكيًا بوضع الجوز أمام سيارات متوقفة عند إشارات المرور لضمان تحطمه.

ويرى الباحث أن نظام إدارة النفايات في اليابان لعب دورًا محوريًا في هذا التطور، حيث تُترك القمامة داخل أكياس في الشوارع بدلًا من الحاويات المغلقة، ما أتاح بيئة غنية بالموارد، وخلال فترة النمو الاقتصادي السريع، أدى تنوع النفايات إلى تحفيز الغربان على تطوير مهاراتها في تحديد مصادر الغذاء من حيث التوقيت والمكان والنوع، ما عزز من قدراتها الإدراكية.

كما أظهرت هذه الطيور سلوكيات متقدمة في إدارة الوقت، إذ تقوم بجمع الطعام صباحًا وتخزين جزء منه في أماكن مخفية، لتقليل الحاجة للبحث لاحقًا، وهو ما يمنحها وقتًا لممارسة أنشطة أخرى، مثل اللعب على الأسلاك الكهربائية، وفي واقعة سُجلت عام 1996 في يوكوهاما، تبين أن وضع الحجارة على سكك الحديد كان مرتبطًا بسلوك تخزين الطعام.

وفي مدينة كيوتو، وتحديدًا في معبد فوشيمي إيناري، رُصدت غربان تسرق شموعًا مشتعلة وتحملها إلى أماكن مثل الأسطح القشية أو بين الأوراق الجافة، ما يشكل خطرًا حقيقيًا، كما لوحظ انجذابها للمواد الدهنية، مثل الصابون، رغم عدم كونه غذاءً، ما يشير إلى سلوكيات تتجاوز الحاجة الأساسية إلى نوع من الفضول أو الترف.

ويشير هيغوتشي إلى أن حالات "العبقرية" بين الغربان تظل محدودة ونادرة، وتتطلب دراسات طويلة الأمد لمتابعة أفراد بعينهم، وقد مثّلت إناث الغربان التي أتقنت تشغيل الصنابير في يوكوهاما نموذجًا مثاليًا للدراسة، خاصة أثناء رعايتها لصغارها، إلا أنها اختفت بشكل مفاجئ، في حين لم تُظهر الذكور نفس القدرات.

وتؤكد هذه النتائج أن الغربان اليابانية تمثل نموذجًا فريدًا للتكيف مع البيئات الحضرية، حيث نجحت في دمج ذكائها الفطري مع التعلم المكتسب من التفاعل المستمر مع الإنسان، لتصبح واحدة من أكثر الكائنات إثارة للاهتمام في عالم الحيوان، بل وربما الأكثر قدرة على مفاجأة العلم في المستقبل.