فى الوقت الذى كانت فيه مدينة الإسكندرية تستعد لاستقبال حرارة الصيف بهدوء الربيع المعتاد، فاجأت الطبيعة سكان «عروس البحر المتوسط» فجر الحادى والثلاثين من مايو لعام 2025 بحدث جوى نادر لم يكن فى الحسبان،
حيث تحولت الأجواء المستقرة فجأة إلى عاصفة رعدية عنيفة محملة بالأمطار الغزيرة والرياح العاتية وحبات البرد، مما تسبب فى ارتباك مؤقت للحياة الحضرية وسلط الضوء على هشاشة المدن الساحلية أمام الظواهر الجوية المفاجئة التى تقع خارج إطار الموسم المطير المتعارف عليه.
هذا الحدث الاستثنائى كان المحرك الأساسى وراء دراسة علمية رائدة قادتها منى مكرم، إخصائية تنبؤات من هيئة الأرصاد، بمشاركة باحثين من قسم علوم الفلك والفضاء والأرصاد الجوية بكلية العلوم جامعة القاهرة، حيث عكف الباحثون على تحليل الآليات الجوية العميقة التى أدت لنشوء هذه العاصفة، بهدف فهم أسرار التغيرات المناخية فى حوض البحر المتوسط وتطوير أدوات تنبؤ أكثر دقة لحماية المجتمعات الساحلية من مخاطر الفيضانات المفاجئة.
عوامل معقدة
ويوضح د.مصطفى عصام، المدرس بالقسم، والباحث المشارك، أن الدراسة انطلقت فى تحليلها من كون مصر إقليماً جافاً تتركز أمطاره فى الشتاء، غير أن ما حدث فى نهاية مايو 2025 كان خروجاً صارخاً عن القواعد المناخية.
ويقول إن التحليلات السينوبتيكية والديناميكية الشاملة التى أجريت من سطح الأرض وحتى مستويات الغلاف الجوى العليا، كشفت عن وجود تضافر فريد لعوامل جوية معقدة، فقد رصدنا تفاعلاً قوياً بين أخدود هوائى بارد فى طبقات الجو العليا وبين كتل هوائية رطبة ودافئة قادمة من سطح البحر الأبيض المتوسط، مما أدى إلى حالة من عدم الاستقرار الجوى الشديد. وتطور سريع لسحب «الركام المزني» العملاقة التى تسببت فى تساقط الأمطار بكثافة فاقت التوقعات، مسجلةً أرقاماً تجاوزت ستة أضعاف المعدل الشهرى المعتاد لهذا الوقت من العام».
«التيار النفاث»
وفى إطار السعى لفهم أدق التفاصيل، بحثت الدراسة فى الدور المحورى الذى لعبه «التيار النفاث» فى طبقات الجو الشاهقة، حيث عملت قوى التباعد الهوائى فى تلك الارتفاعات كمضخة قوية عززت من سرعة صعود الهواء من الأسفل، وهو ما تزامن مع تدفق كبير للرطوبة فى الطبقات الدنيا من الغلاف الجوي،هذا التناغم الديناميكى بين مختلف مستويات الجو أدى إلى انفجار العاصفة بقوة كبيرة.
ويوضح د.عصام، أنه تم التحقق من هذه النتائج باستخدام أحدث بيانات الرصد بالأقمار الصناعية ونماذج إعادة التحليل المناخى العالمية، التى أكدت أن العاصفة لم تكن مجرد تقلب عابر، بل كانت نتيجة لنظام جوى متكامل تطور ببطء من غرب البلاد قبل أن يتمركز فوق الإسكندرية ويفرغ طاقته الكبيرة فى ساعات قليلة.
علامات استباقية
ولم تكتفِ الدراسة بتوصيف الظاهرة فحسب، بل وضعت حجر الأساس لمستقبل أكثر أماناً من خلال تحديد مؤشرات تشخيصية دقيقة يمكن لخبراء الأرصاد الجوية استخدامها كعلامات استباقية لرصد مثل هذه العواصف غير الموسمية.
ويقول د.عصام، إن نتائج البحث، تؤكد أن تعزيز قدرات الإنذار المبكر يعتمد بشكل أساسى على فهم التفاعل المعقد بين حرارة سطح البحر وحركة التيارات الهوائية العليا، مما يتيح للسلطات المحلية وقتاً كافياً لاتخاذ الإجراءات الوقائية وتقليل الآثار الاقتصادية والاجتماعية للسيول الحضرية، ويضيف أن « هذه الدراسة تمثل صرخة تنبيه لأهمية الاستعداد المناخى المستمر، مؤكدا أن العلم يظل هو الدرع الحقيقى فى مواجهة التحديات الجوية المتزايدة التى تفرضها التحولات المناخية المعاصرة على سواحلنا».
لماذا يواصل «الإيبولا» حصد الأرواح بعد 50 عامًا من اكتشافه؟
ابتكار أقوى خرسانة فى العالم بعد 20 عامًا من الأبحاث
علماء مصريون «يحبسون» الهيدروجين داخل بلورات ذكية







