فى زاوية هادئة على أطراف المشهد السياحى الصاخب، بعيدًا عن صخب البرامج الترفيهية والفنادق الفاخرة، يتجمع عدد من السائحين الأجانب فى طابور غير معتاد.
لا ينتظرون عرضًا فنيًا أو رحلة بحرية، بل يقفون بشغف أمام فرن بلدى بسيط، تخرج منه أرغفة ساخنة تحمل رائحة البيت المصري.
خلف هذا الفرن، تقف سيدة مصرية بملامح هادئة وإرادة صلبة، تحرك يديها بخفة وخبرة سنوات، تفرد العجين وتضعه فى الفرن بثقة، قبل أن تسلّم كل رغيف بابتسامة مختصرة، لكنها صادقة.
اقرأ أيضًا| على متنها آلاف الزوار.. «جميلة البحار» تعيد الحياة لميناء بورسعيد
تقول الحاجة «كوثر عبد المنعم» - أم حمادة، 65 سنة - وهى تواصل عملها دون توقف «الشغل علّمنى الصبر… وكل رغيف بطلّعه بحس إنى بقدّم حاجة من نفسي. لما بلاقى الناس مبسوطة، ده بيدينى طاقة أكمل، شغلنا إسعاد الناس وخاصة السياح عشان ياخدوا فكرة حلوة عن البلد ودايما ترتبط مصر فى دماغهم بالفرحة والابتسامة والوقت الجميل».
لم تكن تتوقع أن يتحول عملها البسيط إلى نقطة جذب لسائحين من مختلف الجنسيات، لكن الطعم الصادق - كما تصفه - «بيوصل من غير كلام».
وعلى بُعد خطوات، مشهد آخر لا يقل دفئاً.. داخل خيمة مزينة بروح مصرية، تقف شيماء، شابة اختارت أن تقدم طبقًا شعبيًا بطريقتها الخاصة. «البليلة» هنا ليست مجرد وجبة، بل تجربة متكاملة تمزج بين التراث ولمسة عصرية جذبت انتباه الزوار.
بابتسامة ترحب بالجميع، تقول شيماء: «أنا بحب اللى بعمله، وبحاول أقدّم البليلة بشكل يخلى السائح يجربها وهو مبسوط. الفكرة مش فى الأكل بس، الفكرة إنه يعيش حاجة مختلفة ويحس بروح المكان».. وتضيف: «فيه ناس بترجع تانى مخصوص تسأل عليّا… وده بالنسبة لى نجاح كبير».
المشهد فى مجمله يعكس صورة مختلفة للسياحة، حيث لا تقتصر التجربة على الخدمات التقليدية، بل تمتد لتشمل تفاصيل إنسانية بسيطة، لكنها عميقة التأثير.
اقرأ أيضًا| التاريخ المصري لا يُقاوَم.. تيفاني ترامب في جولة بين آثار الأقصر
ويرى عدد من العاملين أن الإقبال على هذه التجارب يعكس تغيرًا فى ذوق السائح، الذى بات يبحث عن «الروح» قبل الشكل، وعن التجربة الحقيقية قبل الرفاهية المصطنعة.
ومن جانبه، قال عاطف عثمان، مدير الفندق، إن هذه النماذج تعكس جوهر التجربة السياحية المصرية، موضحًا: «نهتم بأن نقدم للسائح تجربة متكاملة، ليس فقط إقامة. وجود عناصر مصرية أصيلة مثل العيش البلدى والبليلة بيدى إحساس حقيقى بالبلد، وده اللى بيميز المكان وبيخلى السائح يفتكر التجربة».
وأضاف قائلاً: «النجاح الحقيقى بييجى من التفاصيل الصغيرة والصدق فى الشغل، واللى بتقدمه السيدات هنا نموذج مشرف للمرأة المصرية وقدرتها على الإبداع فى أبسط الإمكانيات».
فى مرسى علم، قد ينجذب الزائر إلى زرقة البحر وصفاء الأجواء، لكنه غالبًا ما يغادر وهو يحمل ذكرى مختلفة.. ذكرى رغيف عيش ساخن، أو طبق بليلة، قُدّم له بابتسامة صادقة، من ستات قررن أن يكتبن حكايتهن بالتعب والشرف.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







