بين سطور التعليقات المتلاحقة على فيسبوك ومنصات التواصل الاجتماعى، تبدو ملامح الشخصية المصرية وكأنها تعيد تشكيل نفسها، هناك شيء ما تغيّر، ويتسلل بهدوء إلى التفاصيل اليومية، ويعيد رسم حدود العلاقة بين الناس.
تراجعت الشهامة والمروءة، التى كانت تميز المصريين، خلف سلوكيات يغلب عليها الحدة، وتصاعدت لغة السخرية الجارحة ومشاعر الشماتة، وأوجدت منصات التواصل مساحة لتفريغ احتقانات مكبوتة، دون حساب لأثر الكلمات أو وقعها.
ومع هذا التحول، بات الحنين إلى الماضى وزمن الناس الطيبين حديثاً موجعاً، وشعوراً حقيقياً بفقدان جزء من السمات الأساسية، كان الاختلاف مصدر ثراء، وليس ساحة صراع، وكان احترام الآخر قاعدة تحكم العلاقات بين أبناء الوطن الواحد، على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم.
وتطفو الآن على السطح نبرات غريبة من الضيق والتعصب، وكأنها تصفع تاريخاً طويلاً من التسامح، تلك الشخصية المتفردة التى صهرت الحضارات عبر العصور، تواجه اليوم اختباراً صعباً أمام سلوكيات تجافى طبعها، الذى قام دائماً على التعاطف والقدرة على الاحتواء واستيعاب الآخر.
ولم تكن المؤسسات الدينية بعيدة عن هذا التغيير، فبعد أن كانت رمزاً للوسطية والسماحة، تحول بعض الخطاب إلى التشدد، مبتعداً عن جوهر الدين القائم على الرحمة واليسر، وكان شيوخ مساجدنا رمز الطيبة والسماحة، وعلى وجوههم يشع نور خفى يعكس حلاوة الإيمان، قبل أن يظهر دعاة الثروة والسلطة.
كانت «الجدعنة» أسلوب حياة لـ «ولاد البلد»، الذين لم يعرفوا يوماً هذا السوء الذى نلمسه الآن، وكان «ابن الحتة» يغض بصره ويحمى جاره، ويعرف معنى العيب قولاً وفعلاً، بعيداً عن سلوكيات التلصص والتحرش التى تنهش فى روح شوارعنا.
وبرغم كل ذلك، لا يمكن اختزال الشخصية المصرية فى هذه الصور السلبية فقط، فالمصريون فى لحظات الشدة، يكشفون عن معدنهم الأصيل، وتتجلى قيم التكافل، وتظهر الشهامة فى بعض المواقف الصعبة، وكأنها لم تغب، بل كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتعلن حضورها.
دستور مصر هو «التعايش السلمى الآمن»، بين أبناء كل الديانات، وكل من يعيش على أرضها، المسلم يذهب إلى المسجد، والمسيحى إلى الكنيسة، ولا فرق فى الشكل والملامح والزى واللسان بنكهة مصرية، وحفظها الله من الصراعات الدينية والطائفية التى تمزق الأمم وتشرد الشعوب، واتخذت الأديان هادياً للحياة لكل أبنائها.
الهوية المصرية هى نتاج قرون، جمعت بين التنوع والثراء، وبين الأصالة والتجدد، هوية صقلتها الأزمات ولم تهزمها، وجعلت منها أكثر قدرة على التماسك، فمصر التى احتضنت الجميع، لا تزال قادرة على استعادة بريقها الأخلاقى، متى استعاد أبناؤها وعيهم بجوهرها الحقيقى.
ما نشهده اليوم قد يكون مجرد موجة عابرة وسط أمواج القيم الراسخة، فالمجتمعات تمرض، لكنها لا تفقد ذاكرتها، والمصريون الذين علموا العالم معنى الحضارة، قادرون على أن يستعيدوا أجمل ما فيهم، ليظل هذا الوطن كما كان دائماً مساحة للحياة، ومرآة لروح إنسان أصيل.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







