أمريكا تقاتل إيران.. والصين تحصد غنائم التحول الأخضر

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


في وقت تشتعل فيه المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، تجد دول العالم نفسها أمام مفارقة، وهي ان الهروب من صدمات الوقود الأحفوري لا يمر إلا عبر بوابة بكين، فبينما تتصاعد أسعار النفط والغاز وتتراكم الفواتير على حكومات حليفة لأمريكا، تُحكم الصين قبضتها بهدوء على سلاسل إمداد الطاقة النظيفة العالمية، لتخرج الرابح الأكبر من حرب لم تُطلق فيها رصاصة واحدة، في هذا الصدد تكشف صحيفة بوليتيكو الأمريكية كيف تحولت أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع إلى منحة استراتيجية غير متوقعة لبكين.

 

فاتورة الحرب تُعجل التحول الأخضر

منذ اندلاع الصراع، تصاعدت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، ما ألقى بظلاله الثقيلة على اقتصادات الدول الحليفة لواشنطن، في هذا الصدد كشفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن فاتورة واردات أوروبا من الوقود الأحفوري ارتفعت بأكثر من 22 مليار يورو في 44 يوماً فقط.

وفي آسيا، لجأت دول كالفلبين وبنجلاديش إلى أسابيع عمل مقتطعة لأربعة أيام للحد من استهلاك الطاقة، فيما قيدت الهند استخدام الغاز الطبيعي في القطاع الصناعي، وخفضت كمبوديا الرسوم الجمركية على البضائع الخضراء.

وفي مواجهة هذا الضغط المتصاعد، باتت حكومات عديدة من الاتحاد الأوروبي إلى كوريا الجنوبية والفلبين تُجاهر بضرورة تسريع التحول نحو الكهرباء والطاقة المتجددة كمخرج استراتيجي من تقلبات الأسواق الأحفورية، غير أن هذا المخرج يفضي مباشرة إلى مزيد من الاعتماد على الصين.

 

بكين تمسك بخيوط التحول الأخضر

تتربع الصين على قمة سلاسل إمداد الطاقة النظيفة العالمية بأرقام يصعب تجاهلها، إذ انه وفق ما أوردته بوليتيكو نقلاً عن وكالة الطاقة الدولية، تُنتج بكين قرابة 80% من الألواح الشمسية في العالم، مع حصة أكبر من مكوناتها الجوهرية كالخلايا والرقائق الإلكترونية.

وفي قطاع السيارات، سجلت صادرات المركبات الكهربائية والهجينة الصينية رقماً قياسياً بلغ 349 ألف سيارة في مارس وحده، أي أكثر من ضعف ما كانت عليه قبل عام.

أما في مجال المعادن الحيوية، فتتحكم الصين في تكرير نحو 90% من عناصر الأرض النادرة اللازمة لتوربينات الرياح والمركبات الكهربائية، إضافة إلى السيطرة على الجزء الأكبر من إنتاج الليثيوم والكوبالت المستخدمَين في البطاريات.

هذه الهيمنة الشاملة جعلت الصين المحرك الفعلي لمساعي إزالة الكربون حول العالم.

 

تسابق دولي نحو بكين رغم التحفظات

على الرغم من هذه المخاوف، رصدت بوليتيكو موجة لافتة من الزيارات الدبلوماسية والتجارية رفيعة المستوى إلى العاصمة الصينية، إذ سيتوجه وزير الاقتصاد الألماني إلى بكين الشهر المقبل، في أعقاب زيارة المستشار ووزير البيئة الألمانيَين اللذين سعيا إلى استقطاب المستثمرين الصينيين والاطلاع على تجربة بكين في التحول الأخضر.

كما زار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بكين للمرة الرابعة في غضون سنوات متتالية، بحثاً عن ضمانات للوصول إلى المواد الخام الحيوية.

وامتد هذا التوجه ليشمل قادة المملكة المتحدة وكندا وفنلندا وأيرلندا الذين زاروا بكين في الأشهر الأخيرة.

ولم يقتصر الأمر على الغرب، إذ زار وفد تجاري هندي الصين لاستكشاف شراكات في الطاقة الخضراء، فيما استندت كوبا إلى الألواح الشمسية الصينية في مواجهة حصار النفط الأمريكي.

وعلى صعيد التجارة، تراجعت كندا عن رسومها الجمركية البالغة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، وسمحت بدخول عدد محدود منها مقابل رفع الصين قيوداً عن صادرات زراعية كندية بمليارات الدولارات.

وقال وزير الطاقة الكندي تيم هودجسون لبوليتيكو إن الاتفاق أتاح إدخال سيارات كهربائية بأسعار لم يكن أحد يقدمها في السوق الكندية، وهو ما أسهم في تخفيف الأعباء المالية على المستهلكين.

 

أمريكا تتقاتل والصين تنتصر

في خضم هذه التحولات، يتعمق الانقسام بين واشنطن وحلفائها حول رؤية الطاقة، فبينما أكد المتحدث باسم البيت الأبيض أن الصراع في إيران أثبت أهمية الطاقة المنتجة محلياً أو المورَدة من حلفاء موثوقين، مشيراً إلى سعي إدارة ترامب لإبرام صفقات نفط وغاز جديدة مع عدة دول، يرى الأوروبيون عكس ذلك تماماً.

وخلص السيناتور الديمقراطي بريان شاتز في تصريحاته لبوليتيكو إلى معادلة مباشرة: "أمريكا تحارب إيران والصين تنتصر"، في إشارة إلى أن تخلي واشنطن عن قطاع الطاقة المتجددة لصالح الهيمنة على الوقود الأحفوري منح بكين ميزة استراتيجية بالغة الأثر.

وقد بات هذا الموقف الأوروبي المتحول واضحاً على لسان ستيفان سيجورني، المسؤول الصناعي في الاتحاد الأوروبي، الذي أكد في فعالية لبوليتيكو أن التكتل "يحتاج" الاستثمار الصيني، ولن يسلك المسار الانعزالي الأمريكي في علاقاته مع بكين.