لا أنكر أننى انفعلت بشدة، وتوترت أعصابى، عندما شاهدت فيديو صادما، تظهر فيه سيدة تتعرض للضرب على يد والد زوجها، بينما الزوج يصور المشهد، بدلا من أن يتدخل لحمايتها ،وهى تصرخ شاكية من انتزاع أطفالها، وطردها من مسكن الحضانة، واشتعلت موجة واسعة من الغضب والتعاطف،على مواقع التواصل الاجتماعى.
وكانت المفاجأة كما جاء فى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، أن هذه السيدة هى من بدأت بالاعتداء وضربت حماها، وقامت بتعديل الفيديو لتبدو وكأنها الضحية.
وفى نفس الوقت، ظهر نموذج آخر فى واقعة كشك القصاصين بالإسماعيلية، حيث أشعل صاحبه النار فى الكشك وهو يصرخ من الظلم ،وانتشر الفيديو بسرعة، وتعاطف معه كثيرون، قبل أن يتبين أنه كان معتديا على حرم الطريق، وتلقى إنذارات عدة، بل وتم توفير بديل له، لكنه رفض وافتعل الواقعة.
مثل هذه الفيديوهات الكثيرة ،تعكس واقعًا خطيرًا، حيث تحولت وسائل التواصل الاجتماعى إلى ساحة مفتوحة للفوضى ومستنقع للكذب ،وأصبح البعض يتباهى بعبارة «هصورك وأحبسك»، وأصبح التصوير سلاحا للابتزاز والتشهير، والأسوأ هو سرعة انتشارها، ويُحشد الرأى العام دون تحقق أو تدقيق.
وترتبط هذه الظاهرة بما يمكن تسميته «عقلية القطيع»، وينساق الكثيرون خلف ما يرونه دون تفكير، وتشتعل موجات الغضب ويصعب السيطرة عليها، والضحية الحقيقية هو الحقيقة نفسها، التى تضيع وسط الزيف والتلاعب.
من هنا، كان تحذير النيابة العامة ضروريا ، بعدم نشر الفيديوهات، وتسليمها للجهات المختصة لفحصها والتحقيق فيها، وهذا الإجراء لا يهدف إلى تقييد الحريات، بل إلى حماية المجتمع من التضليل، وضمان الوصول إلى الحقيقة بشكل قانونى وعادل.
ولكن الواقع يشير إلى أن هذه التحذيرات لم تردع كثيرين، فما زالت الصفحات تمتلئ يوميا بمقاطع تنتهك الخصوصية، ومعلومات غير موثقة، والحل هو تطبيق القانون بحزم على المخالفين، حتى لو كانت الوقائع المنشورة صحيحة، لأن طريقة النشر نفسها تشكل جريمة.
أصبح الهاتف المحمول أكثر خطورة من المسدسات والبنادق، لأنه قد يدمر السمعة والحياة، والإدمان على التصوير والنشر جعل الناس ينتهكون خصوصيات الآخرين، دون وعى أو مسئولية، ولم يعد أحد فى مأمن.
حتى إن بعض المسئولين يمنعون دخول هواتف الزائرين إلى مكاتبهم، حفاظًا على خصوصية العمل، وخوفا من إساءة استخدام أى تسجيل ،وعند وقوع حادث، يتزاحم الناس للتصوير بدلًا من المساعدة، و»صور وانشر» أصبحت أهم من إنقاذ إنسان.
يُحسب لوزارة الداخلية سرعة تحركها فى تحقيق هذه الوقائع، وإتاحة قنوات رسمية للمواطنين، لإرسال ما لديهم من فيديوهات، بما يساعد فى كشف الحقيقة واتخاذ الإجراءات القانونية،وهذه هى الطريقة الصحيحة، أن نترك الأمر للجهات المختصة، لا أن نحوله إلى محكمة شعبية على مواقع التواصل.
نحن أمام مسئولية مشتركة، فإما أن نُطوع التكنولوجيا بوعى وقيم أخلاقية، وإما أن نتركها تتحول إلى أداة فوضى تتربص باستقرار الجميع.

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







