بين التصعيد والتفاوض.. ترقّب حذر للمفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب


تستعد السلطات الباكستانية لإغلاق عدد من الطرق السريعة المؤدية إلى العاصمة إسلام آباد أمام وسائل النقل العام، ضمن إجراءات أمنية مشددة تسبق جولة مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل استمرار حالة من الغموض بشأن انعقادها ،وفي سياق متصل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأحد، توجه وفد يمثل الولايات المتحدة إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد لإجراء محادثات، في إطار مساعٍ دبلوماسية متواصلة تتعلق بالملف الإيراني، وسط ترقب دولي لتداعياتها المحتملة.

 أشارت إيران إلى أنها لا تعتزم إرسال مفاوضين إلى إسلام آباد لجولة جديدة من المحادثات مع الولايات المتحدة، ما يهدد خطط باكستان لاستضافة مفاوضات متعددة الأيام بين الجانبين، وذلك قبل أقل من 48 ساعة من انتهاء وقف إطلاق النار الهش ، وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، يوم الاثنين، إن واشنطن “انتهكت وقف إطلاق النار منذ بداية تنفيذه”، مستشهداً بما وصفه بالحصار البحري الأمريكي لمضيق هرمز منذ 13 أبريل، إضافة إلى احتجاز الجيش الأمريكي لسفينة حاويات إيرانية خلال الليل، معتبراً ذلك خرقاً للهدنة والقانون الدولي.

وفي السياق ذاته، رأى باتريك وينتور، محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة “الجارديان” البريطانية، أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرسال مسؤولين إلى إسلام آباد لإجراء مزيد من المحادثات مع إيران، بعد 24 ساعة فقط من إعادة إغلاق مضيق هرمز، قد يوجّه رسالة إلى طهران مفادها أن هذا الممر المائي الاستراتيجي لا يزال يمثل ورقة ضغط قوية. 

وأضاف أن هذا التحرك، من وجهة النظر الإيرانية، قد يعزز القناعة بأن النهج الأمريكي في إدارة الأزمة يتسم بالارتباك، وهو ما يدفع طهران إلى تبني سياسة أكثر حذراً وهدوءاً في التعامل مع التطورات، استناداً إلى ما تعتبره افتقاراً للوضوح في القرار الأمريكي ، مشيراُ إلى أن حالة انعدام الثقة والغموض التي تحيط بالعلاقات بين واشنطن وطهران تجعل من الصعب الجزم بما إذا كان ترامب، عقب اجتماعاته في غرفة العمليات يوم السبت، قد قرر مجدداً استخدام الدبلوماسية كغطاء لعمل عسكري محتمل ضد إيران فور انتهاء وقف إطلاق النار.

وتابع المحلل قائلاً بأنه على أقل تقدير، لا يمكن إنكار أن الفترة التي سبقت الجولة الثانية المقترحة من المحادثات في إسلام آباد لم تكن مواتية على الإطلاق، ويعود ذلك جزئياً إلى ما يُوصف بنفاد صبر ترامب وسعيه إلى تسريع النتائج دون مراعاة كافية لحساسية الموقف الإيراني أو ضرورة التدرج في الإجراءات الدبلوماسية.

يُشار إلى أن إيران كانت قد حدّدت، قبل بدء جولة جديدة من المحادثات، ثلاثة مطالب رئيسية تمثلت في وقف إطلاق النار في لبنان، وإنهاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وإحراز تقدم في ملف الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وفي المقابل، رأت طهران والوسطاء في باكستان أن المسار التفاوضي يجب أن يكون تدريجياً ومتبادلاً، يقوم على خطوات لبناء الثقة بين الطرفين، بحيث يقابل كل إجراء مماثل بخطوة مقابلة من الجانب الآخر.
وبناءً على ذلك، اعتبرت إيران أن إعلان ترامب وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مع إسرائيل في لبنان يُعد خطوة مهمة، كان يُفترض أن يقابلها تحرك متبادل يتمثل في تخفيف جزئي للحصار على مضيق هرمز، وهي خطوة أشار إليها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تغريدة صباح الجمعة، وإن لم تُصغ بشكل دقيق ، كما كان متوقعاً أن يترافق ذلك مع تحرك أمريكي لتخفيف القيود على الموانئ الإيرانية، بما يفتح المجال أمام تقدم تدريجي في مسار التهدئة.

غير أن تصريحات وبيانات سابقة نُسبت إلى ترامب أبقت على الحصار، وادعت في الوقت نفسه أن إيران رفعت القيود المفروضة على حركة ناقلات النفط في المضيق بشكل كامل، بل وذهبت إلى حد التأكيد على أن طهران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة لحفظه، بما أعطى انطباعاً بأن إيران قد “استسلمت”. وقد أثار هذا الطرح ردود فعل غاضبة في طهران، في وقت لا يزال فيه الغموض قائماً بشأن ما إذا كان هناك تباين فعلي بين وزارة الخارجية الإيرانية وقيادة الحرس الثوري، أم أن الأمر لا يعدو كونه سوء فهم ناتج عن تضارب أو تأويل غير دقيق للتصريحات.

وفي هذا السياق، صدرت توضيحات عن وزارة الخارجية الإيرانية يوم الجمعة، وكذلك عن رئيس الوفد الإيراني إلى إسلام آباد محمد باقر قاليباف في مقابلة تلفزيونية يوم السبت، حيث اتهم ترامب بتقديم روايات غير دقيقة، لكنه أكد في الوقت ذاته أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً وبعد اتضاح أن واشنطن لن تتجه إلى رفع الحصار، أعلنت إيران يوم السبت إعادة إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، وإنهاء فترة إعادة فتحه المشروطة التي لم تدم طويلاً.

* ارتباك داخل البيت الأبيض*

وفي المقابل، كان بإمكان ترامب يوم الأحد اتخاذ موقف أكثر تصعيداً ورفض أي مسار تفاوضي جديد، أو توجيه اتهامات مباشرة لطهران بخرق التهدئة، غير أنه، ومع تعقد المشهد، بدا أنه أعاد النظر في خياراته وفضّل العودة إلى المسار الدبلوماسي، رغم ما وصفه مراقبون بحالة الارتباك داخل البيت الأبيض، في ظل تضارب التقارير حول طبيعة الوفد الأمريكي والمشاركين فيه ولا يبدو أن أيّاً من هذه التطورات يقرّب الطرفين من حل جوهري للخلاف الأساسي، المتمثل في إصرار إيران على الاحتفاظ بحقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها.

ويرى بعض المراقبين أن الحل قد يكمن في تجنب محاولة حسم هذه القضايا دفعة واحدة، والاتجاه بدلاً من ذلك نحو اتفاق إطاري يسمح بإدارة الخلافات ضمن مسار تفاوضي طويل الأمد وفي بيئة أقل توتراً، وربما في سياق لقاءات دولية أوسع نطاقاً.


وفي نهاية اليوم، أفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية بأن “وزارة الخارجية والمجلس الأعلى للأمن القومي قررا الاستمرار في سياسة الصمت إزاء التغطية الإعلامية الأجنبية”، في وقت بدا فيه أن هناك قناعة متزايدة بأن وجود إدارة أمريكية أكثر هدوءاً واستقراراً قد يسهم في تسريع فرص التوصل إلى تهدئة وعلى الرغم من ذلك، لا يتوقع مسؤولون التوصل إلى اتفاق نهائي خلال هذا الأسبوع، حتى في حال مشاركة الجانب الإيراني في محادثات إسلام آباد. 

اقرأ أيضا :صندوق النقد الدولي: نمو التضخم في الولايات المتحدة على خلفية الحرب الإيرانية

*تفاؤل حذر *
ويرجح أن يكون الهدف المباشر هو تمديد وقف إطلاق النار، في إطار تفاهمات محدودة تمهّد لمسار تفاوضي أطول ، كما أعرب مسؤولون باكستانيون عن تفاؤل حذر، مؤكدين أن العملية تسير في الاتجاه الصحيح، مع التشديد على أن التوصل إلى اتفاق نهائي يتطلب استمرار الحوار وتقديم تنازلات متبادلة وعلى خلاف الجولة الأولى، قد تمتد هذه المحادثات لعدة أيام، بهدف التوصل إلى إطار عام لمفاوضات أوسع نطاقاً خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.