الكتيبة.. هنا بدأت معارك الصحابة وانتهت بنموذج مُلهم للريف المصري

.
.


أمل ربيع

على أطراف مركز بلبيس تقف قرية "قرية الكتيبة" كواحدة من القرى التي لا تُقاس أهميتها بمساحتها أو عدد سكانها، بل بما تختزنه من تاريخ عميق وذاكرة روحية ممتدة عبر القرون.

من قرية الكتيبة يبدأ الفتح الإسلامي لعمرو بن العاص (المشهد الحسيني)، وكانت هذه الأرض ميدان أول معركة في طريق الفتح الإسلامي لمصر، وكانت مقبرة لشهداء جنود عمرو بن العاص، فمساحة القرية 22 ألف فدان، يحدها من الشرق محافظة الإسماعيلية، وحدودها مدينة العاشر من رمضان، يوجد بها أكبر مزارع للدواجن في الشرق الأوسط، وتضم 15 مصنعًا، وليس بها بطالة للشباب، وأهم ما يميز هذه القرية مقابر العايد (المشهد الحسيني).


 كتيبة الجيش

احتضنت قرية "الكتيبة" عمرو بن العاص وجنوده خلال الفتح الإسلامي لمصر، فأرضها كانت ميدانا لأول معركة حربية دارت بين جيش الصحابة بقيادة عمرو بن العاص وجيش الرومان، وانتصر فيها المسلمون، ليواصل عمرو بن العاص مسيرته المظفرة لفتح حصن بلبيس ثم عين شمس، حتى وصل إلى حصن بابليون الذي كان يشكل عاصمة الحكم الروماني في مصر، قبل أن يتمكن من القضاء على آخر معاقلهم في الإسكندرية بعد عام من الفتح الإسلامي.

استمدت القرية اسمها من كتيبة الجيش، وارتوت أرضها بدماء شهداء الصحابة، إذ كان المشهد الحسيني علامة بارزة داخل مقابرها التي أطلق عليها أهالي القرية "بقيع الشهداء".

القرية أصبحت الآن نموذجًا يُحتذى به في حب الوطن، حيث شمر الأهالي عن سواعدهم، يتقدمهم عمدة القرية طارق الأعصر، وقاموا بتطويرها بالجهود الذاتية لتصبح منارة تقف شاهدة على عظمة المصريين، فمساحة القرية 22 ألف فدان، ويوجد بها أكبر مزارع للدواجن في الشرق الأوسط، ويوجد بها 15 مصنعًا، لذلك فهي خالية من البطالة، وأهم ما يميزها مقابر العايد "المشهد الحسيني".

تطوير مقابر العايد


في الوقت الذي تتجه فيه الدولة لتحسين جودة الحياة، وبالتوازي مع مبادرة حياة كريمة التي تشهدها قرى الريف المصري، يبرز مشروع تطوير مقابر العايد كأحد أبرز الجهود المجتمعية التي تعكس وعي الأهالي وقدرتهم على المشاركة في إعادة صياغة بيئتهم العمرانية والروحية، فالمقابر ليست مجرد مكان للدفن، بل جزء من الذاكرة المجتمعية وهوية المكان، ولذلك فإن تطويرها بالغ الأهمية.

انتقلنا إلى القرية لنرصد بالكلمة والصورة ملحمة شعبية لتحويلها إلى قرية أوروبية على أرض مصرية، التقينا عمدة القرية الحاج طارق الأعصر، الذي يشرف بنفسه على أعمال التطوير، فأكد أن مقابر العايد تحمل قيمة روحية وتاريخية، لأنها تضم رفات عدد من الصحابة والتابعين وكبار الجند الذين مروا بها في عهد الفتح الإسلامي، مما ضاعف من مكانتها لدى أهل قرية الكتيبة وبلاد كفور العايد.


وأشار إلى أن هذه المقابر عانت سنوات طويلة من الإهمال، فقرر مع الأهالي تنفيذ مشروع تطوير ضخم غير وجه المكان كليًا، وحوله إلى متنزه آمن وممشى حضاري للأطفال والعائلات في تجربة فريدة في الريف المصري.

فكرة التطوير

وقال إن فكرة التطوير لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى 7 سنوات مضت، حين بدأ يشعر أن المنطقة تستحق اهتمامًا أفضل يليق بتاريخها، وأن الأهالي قادرون على المشاركة في مشروع يغير شكل القرية والمقابر بالكامل، لذلك عرض الفكرة على شباب القرية والقرى المجاورة ومنطقة العايد، وظلت تتطور عامًا بعد عام حتى تحقق الحلم في الآونة الأخيرة بعد سلسلة من المشاورات مع كبار أبناء العمومة، حيث جرى الاتفاق على بدء التطوير الفوري.

وأشار العمدة إلى أن عملية التطوير تمت على ثلاث مراحل وفق تصور شامل ومدروس، وكانت المرحلة الأولى هي الأكثر تأثيرًا رغم أنها لم تستغرق أكثر من ثلاثة شهور، وجرى فيها تنفيذ 30 ألف متر بلاط إنترلوك لتجهيز الممرات الداخلية والخارجية، ووضعت كميات ضخمة من التربة الحمراء والرمال وصلت إلى 700 ألف متر لتسوية الأرض ودعم البنية الأساسية، كما جرى تركيب كشافات إنارة، إلى جانب تركيب كاميرات مراقبة تعمل على مدار الساعة.

كما تم زرع 40 نخلة لإضفاء طابع جمالي وحضاري على المداخل والممشى الذي يمتد إلى مسافة 1500 متر، ويجمع بين الإنارة والمراقبة والمظهر الجمالي في منظومة واحدة.

وأضاف العمدة أن التغيير الحقيقي لم يكن في المظهر وحده، بل في السلوك العام داخل المنطقة، حيث اختفى تمامًا حالات التجمع التي كانت تمثل خطرًا على الأهالي، سواء من الخارجين على القانون أو متعاطي المواد المخدرة، وأن المشهد تحول إلى مساحة آمنة للأسر والشباب ليلًا ونهارًا لقضاء وقت هادئ، وتحول المكان الذي كان يمثل خوفًا قديمًا إلى متنزه مفتوح لأهالي القرية.

مراحل التطوير

ومع اكتمال المرحلة الأولى، انطلقت الأعمال في المرحلة الثانية التي تتضمن إنشاء محور مروري جديد أطلق عليه الأهالي محور الحاج حسن الأعسر، يبدأ من مدخل القرية ويمر خلف المقابر حتى يحقق سيولة مرورية ويمنع التزاحم الذي كان يحدث سابقًا، وخلال هذه المرحلة تمت إزالة 12 مخالفة بناء كانت تشوه المشهد وتعيق الحركة، بينما امتد التطوير بطول يصل إلى 2 كيلومتر ونصف، شمل تسوية الأرض وزراعة الأشجار وإعادة تنظيم مسارات السير.

ويجري التطوير في المرحلة الثالثة لبناء مسجد كبير تبرع بأرضه أحد المواطنين، وإنشاء دار لتحفيظ القرآن الكريم، وستكون الأكبر على مستوى المحافظة، بجانب دار للضيافة قادرة على استيعاب 1500 شخص في المناسبات، ويستغرق إنشاؤه من 3 إلى 6 شهور.

كما يتضمن المشروع في مراحله الأخيرة زراعة أشجار واستكمال شبكة الإنارة والكاميرات حول المقابر من الداخل والخارج، مما يضمن الأمن الكامل للمكان ويحافظ على قدسيته، ويشير العمدة إلى أن جميع الأعمال تمت بالتنسيق الكامل مع الجهات الرسمية من مجلس المدينة والوحدة المحلية إلى الكهرباء والطرق والري، مشيرًا إلى أن المشروع يقوم على تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع، وبإشراف وتنفيذ أكبر المكاتب الاستشارية في القاهرة.

إهداء لرئيس الجمهورية

وتقدم بالشكر إلى اللواء أحمد شاكر، رئيس مركز ومدينة بلبيس، لدعمه وتعاونه الدائم في تذليل العقبات لضمان خروج المشروع في صورته، ويؤكد العمدة أنه سيتم تنظيم احتفال رسمي كبير لافتتاح المسجد، وسيحضر الحفل جميع المش.

وأهدى العمدة هذا العمل إلى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي تقديرًا لجهوده في بناء الجمهورية الجديدة، كما يهديه إلى روح والده الحاج حسن الأعسر، الذي كان رمز العطاء في القرية، مؤكدًا أن ما حدث في المشهد الحسيني نموذج للتعاون بين أبناء العايد الذين قدموا جهدهم وأموالهم للمشروع.

هنا، لا تمر الحكايات مرورًا عابرًا، بل تتجسد في الأرض والوجدان، لتجعل من القرية مقصدًا للباحثين عن عبق التاريخ ونفحات الروح.


 
 

المشهد الحسيني

وتشير الروايات المتوارثة إلى استشهاد عدد من الصحابة في هذه الأرض، لتتحول الكتيبة إلى موقع يحمل قدسية خاصة في قلوب الأهالي، باعتبارها أرضًا ارتوت بدماء من شاركوا في فتح مصر.

من أبرز معالم القرية، ذلك الموقع الذي تحوّل مع الزمن إلى مزار روحي يُعرف بـ“المشهد الحسيني”، ويرتبط بمرور آل بيت النبي، وعلى رأسهم الإمام الحسين بن علي، المعروف بلقب “سيد الشهداء”.

ويعتقد الأهالي أن هذا المكان احتضن الرأس الشريف للإمام الحسين لفترة قبل نقله إلى القاهرة في القرن الرابع الهجري، حيث استقر لاحقًا في مسجد الحسين. هذه الرواية، رغم اختلاف المؤرخين حول تفاصيلها، منحت القرية مكانة روحية خاصة، وجعلت من “المشهد الحسيني” نقطة جذب للزائرين والمتبركين.

طريق الحج… عبور التاريخ

لم تكن الكتيبة مجرد محطة عسكرية، بل كانت أيضًا جزءًا من طريق الحج القديم، حيث مرت بها قوافل الحجاج في رحلتهم إلى الأراضي المقدسة. هذا الموقع الجغرافي منحها أهمية مضاعفة، وجعلها شاهدة على مرور آلاف الرحلات الإنسانية التي حملت الإيمان والتاريخ معًا.

في السنوات الأخيرة، لم ينتظر أهالي الكتيبة تدخلات رسمية فقط، بل بادروا بأنفسهم لتطوير قريتهم، فعملوا على تحسين محيط “المشهد الحسيني”، وتجميل الطرق، وإبراز الطابع التاريخي للمكان. هذه الجهود الذاتية تعكس وعيًا متزايدًا بقيمة قريتهم، وسعيًا لتحويلها إلى مقصد سياحي وديني.

وبالفعل، بدأت الكتيبة تستقبل زوارًا من مناطق مختلفة، خاصة في المناسبات الدينية، حيث تمتزج الروحانية بالتاريخ، في مشهد يعكس عمق الهوية المصرية.

قد تختلف الروايات التاريخية حول بعض التفاصيل، خاصة ما يتعلق بمرور الرأس الشريف للإمام الحسين، لكن ما لا خلاف عليه هو أن الكتيبة تمثل نقطة التقاء نادرة بين التاريخ العسكري والروحاني في مصر. فهي ليست مجرد قرية، بل سجل مفتوح يحكي عن الفتح، والشهادة، والرحلة، والإيمان.

رسالة من الكتيبة


تقدم قرية الكتيبة نموذجًا حيًا لقدرة المجتمعات المحلية على إحياء تاريخها وصناعة مستقبلها، حين تتسلح بالوعي والانتماء. إنها دعوة لإعادة اكتشاف كنوز الريف المصري، حيث تختبئ حكايات تستحق أن تُروى، وأماكن تستحق أن تُزار.

في الكتيبة… الأرض ليست فقط ترابًا، بل ذاكرة مقدسة، وسيرة وطن