شلال الفراعنة| «البطس» نهر صنع تاريخ مدينة طامية

«البطس» مجرى مائى تشكل بفعل الطبيعة نتيجة الفيضانات المتكررة
«البطس» مجرى مائى تشكل بفعل الطبيعة نتيجة الفيضانات المتكررة


فى مركز ومدينة طامية بمحافظة الفيوم، يمر مجرى مائى قديم يعرف بـ«البطس»، لا يشبه الترع أو المصارف المألوفة فى دلتا مصر. إنه شلال طبيعى تشكل عبر آلاف السنين نتيجة الفيضانات الموسمية، شاهدًا صامتًا على أساليب الإنسان فى إدارة المياه منذ عصر الفراعنة وحتى القرن العشرين.

اقرأ أيضًا| سويلم يتفقد المنظومة المائية بالفيوم ويوجه بسرعة نهو صيانة محطة البطس

لا يلفت الانتباه بقدر ما يحمل فى طياته حكاية آلاف السنين، «البطس» ذلك الاسم الذى قد يبدو عاديا، لكنه فى الحقيقة شاهد حى على تطور نظم الرى فى مصر منذ عصور الفراعنة وحتى العصر الحديث.

يقول الباحث التاريخى د.أحمد منتصر إن «البطس» لم يكن فى الأصل مشروعًا هندسيًا من صنع البشر، بل هو مجرى مائى تشكل بفعل الطبيعة، نتيجة الفيضانات المتكررة التى عرفتها مصر القديمة. ومع ذكاء المصرى القديم، تم استغلال هذا المجرى ليصبح وسيلة لنقل المياه إلى بحيرة موريس، المعروفة اليوم ببحيرة قارون، بهدف تخزين مياه الفيضان والاستفادة منها فى أوقات الجفاف.

ويضيف منتصر : «مع مرور الزمن، تعرض هذا المجرى للإهمال، حتى جاء العصر الرومانى، حيث أعيد استخدامه لنفس الغرض، وهو توصيل المياه إلى البحيرة وتخزينها. لكن بدائية تقنيات البناء آنذاك أدت إلى انهيار السدود التى أُقيمت عليه أكثر من مرة».. وفى عصر المماليك، عادت الحياة مرة أخرى إلى الموقع، حيث تم إنشاء سد فى نفس موضع الكوبرى الحالى تقريبا فى بطامية، لكنه لم يصمد طويلاً، إذ انهار خلال فترة الحكم العثمانى، ليعود «البطس» إلى حالة الإهمال من جديد.

اقرأ أيضًا| الصعيد يطوى صفحة الحرمان.. مشروعات الفيوم تتخطى الـ 4 مليارات جنيه

التحول الكبير جاء مع مشروع التحديث الذى قاده محمد على باشا، والذى أولى اهتمامًا بالغًا بإصلاح الزراعة ونظم الرى. ففى عام 1820، أدى انهيار جزء من جسر بحر يوسف إلى تدفق كميات هائلة من المياه نحو «البطس»، ولم يتحمل السد القديم هذه الكثافة، فانهار، متسببًا فى خسائر فادحة وبوار مساحات واسعة من الأراضى الزراعية.

هنا، اتخذ محمد على قرارًا حاسمًا عام 1834 بإعادة بناء السد وفق أسس هندسية حديثة، مستعينًا بالمهندس الفرنسى لينان دى بلفون. وتم تشييد السد -المعروف اليوم بكوبرى البطس بطامية- باستخدام كميات ضخمة من مواد البناء: 6000 قنطار من الدبش، و6000 حجر جيرى، و630 طنًا من الحديد الإنجليزى، إضافة إلى الآلاف من الطوب.

ويتابع الباحث «لم يتوقف التطوير عند هذا الحد، ففى عام 1908 تم إنشاء وحدة لتوليد الكهرباء اعتمادًا على اندفاع المياه، لتغذية مناطق بطامية بالطاقة، لتصبح من أوائل المناطق التى عرفت الكهرباء عبر مساقط المياه».

ورغم هذا التاريخ الطويل، لا يزال «بحر البطس» -كما يعرف- يحتفظ باسمه، ويجرى من الشرق إلى الغرب ناقلاً المياه من طامية إلى بحيرة قارون، ويعرف أيضًا بأسماء أخرى مثل مصرف البطس أو التربين أو الكربيل. ويختتم الباحث حديثه قائلًا: «هذا الموقع ليس مجرد مجرى مائى أو كوبرى قديم، بل هو سجل مفتوح لتاريخ إدارة المياه فى مصر. ومع الأسف، يعانى اليوم من الإهمال، رغم دوره المحورى عبر قرون فى حماية أراضى الفيوم من الغرق وتنظيم الرى بها».