المجر.. توابع زلزال هزيمة أوربان تصل لأوروبا وترامب

رئيس الوزراء المجرى الجديد يحتفل بالفوز مع أنصاره
رئيس الوزراء المجرى الجديد يحتفل بالفوز مع أنصاره


علياء أسامة

هزيمة ساحقة مُنى بها رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان وحزبه الحاكم «فيدس» فى الانتخابات العامة التى أجريت قبل أيام فيما اعتبر زلزالا سياسيا لن تقف ارتداداته عند حدود تلك الدولة الأوروبية.

أوربان الذى أمضى فى السلطة 16 عاما حمل خلالها لواء المعارضة لسياسات الاتحاد الأوروبى وكان نموذجا للسياسى اليمينى الشعبوى وهو ما جعله حليفا مميزا بالنسبة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب منذ ولايته الأولى فى البيت الأبيض كما كان فى الوقت نفسه مقربا من الرئيس الروسى فلاديمير بوتين وهو ما عكسته سياسات بودابست فيما يتعلق بالحرب فى أوكرانيا. لذا فإن مغادرة أوربان لمنصبه الذى سيشغله بيتر ماجيار زعيم حزب «تيسا» سيكون له تداعياته فى العديد من الملفات داخل وخارج القارة العجوز.

اقرأ أيضًا| أوربان ومنافسه يتبادلان الاتهامات قبل انتخابات حاسمة في المجر

البداية من الولايات المتحدة حيث تمثل هزيمة أوربان ضربة لرئيسها دونالد ترامب وتياره «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا» أو «ماجا» ورؤيتهما السياسية. الأكيد أن ترامب سيخسر أحد أبرز حلفائه فى أوروبا وهو ما يأتى فى توقيت شديد الحساسية بالنسبة للعلاقات عبر الأطلسى المتوترة أصلا على خلفية العديد من الملفات فى مقدمتها المخاوف من تخلى واشنطن عن التزامها بضمان أمن القارة مع تحول اهتمامها نحو نصف الكرة الغربى والخلافات حول الإنفاق الدفاعى خاصة بالنسبة للحلفاء فى حلف شمال الأطلنطى «ناتو». وفجرت مساعى ترامب للسيطرة على جزيرة جرينلاند الدنماركية أزمة جديدة ثم جاءت حرب إيران لتصب الزيت على نار الخلافات خاصة بعد رفض العديد من الدول تقديم الدعم للتحركات العسكرية الأمريكية ومساعدة واشنطن فى فتح مضيق هرمز. وبشكل غير متوقع توترت العلاقات بين ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلونى فى ظل أزمته مع بابا الفاتيكان.

اقرأ أيضًا| رئيس وزراء المجر: أوروبا لن تتجاوز أزمة النفط بدون روسيا

وبالنسبة لماجا فإن توجهات أوربان تشابهت دائما مع توجهات حركة الرئيس الأمريكى ومنحه مؤتمر العمل السياسى المحافظ فرصة للتحدث فى اجتماعه لعام 2022 وأسس فرعًا له فى المجر. وذكرت مجلة «بوليتيكو» أن هذا التشابه دفع ترامب لإرسال نائبه جيه دى فانس للمشاركة فى الحملة الانتخابية لحليفه المقرب. فانس الذى يعد أبرز وجوه «ماجا» اتصل بترامب خلال تجمع انتخابى فى بودابست ووضعه على مكبر الصوت حيث أشاد بأوربان وسياساته المتشددة تجاه الهجرة.

وتثير هزيمة أوربان قلقًا بالغًا لدى اليمين الأمريكى وسط مخاوف من أن يلقى الجمهوريون مصيرا مشابها فى انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل أو فى انتخابات الرئاسة 2028. الإعلامى المحافظ ستيف بانون الذى سبق ووصف أوربان بأنه «ترامب قبل ترامب» قال إن هزيمة الزعيم المجرى يجب أن تكون بمثابة «جرس إنذار» لحركة «ماجا» لكى لا تتهاون أو تفقد صلتها بالقضايا التى دفعت ناخبيها إلى التصويت للرئيس الأمريكى. وقال عدد من المراقبين إن ترامب وأوربان يشتركان فى نقاط ضعف رئيسية، وأن حركة ماجا يمكنها أن تستفيد من هزيمة رئيس الوزراء المجرى الذى تمت الإطاحة به إلى حد كبير بسبب ركود الاقتصاد الذى أثقل كاهل المواطنين وسط اتهامات بالفساد لبعض الشخصيات.

وقال رود دريهر، الكاتب المحافظ الأمريكى البارز والمؤيد للشعبوية اليمينية إن «الشعبوية رائعة، ولكن إذا لم تتمكن من تحقيق نتائج إيجابية فى الاقتصاد، فلن يكون لها أى قيمة». ومع ذلك، أشار بعض المحافظين إلى أن ماجيار يتبنى أيضًا آراءً محافظة، لذا فإن خسارة أوربان لا تمثل رفضًا لسياسات اليمين.

ولا تقتصر المخاوف على اليمين الأمريكى بل تمتد إلى اليمين الشعبوى فى القارة ففانس لم يكن الوحيد الذى شارك فى الحملة الانتخابية لأوربان بل انضم إليها سياسيون يمينيون من فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا. ووفقا لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية فإنه يتعين الآن على هؤلاء السياسيين مواجهة الهزيمة القاسية لرجل كان قدوتهم القيادية، ومرشدهم الفكرى، وفى بعض الحالات، ممولهم عن بعد. وقال جان إيف كامو، الخبير فى شئون اليمين المتطرف فى مؤسسة جان جوريس فى باريس إن المجر تقدم خارطة طريق لكيفية انحراف الحركات الشعبوية عن مسارها حيث أطاح الناخبون بأوربان بعدما سئموا من الفساد وإهمال الاقتصاد والمعارك مع الاتحاد الأوروبى كما زاد التقارب مع ترامب من حدة ردة الفعل السلبية بسبب عدم شعبية حرب إيران وما ترتب عليها من ارتفاع حاد فى أسعار الطاقة.

واستوعب بعض قادة اليمين الأوروبى درس الحرب مثل ميلونى التى كانت معروفة باسم «مستشارة ترامب» قبل أن تنفصل عنه مؤخرا فى العديد من القضايا وزعيم حزب الإصلاح فى المملكة المتحدة الذى تحول من اعتزازه بصداقة الرئيس الأمريكى إلى قوله «أعرفه بالصدفة». ويرى العديد من المحللين أن أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية لا تزال عرضة لنفس نقاط الضعف التى أسقطت أوربان وخاصة الفساد.

فى المقابل، تمثل هزيمة أوربان فرصة سياسية لقادة الاتحاد الأوروبى وفى مقدمتهم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فى ظل معاناتهم من عرقلة رئيس الوزراء المجرى للعديد من قرارات المجلس الأوروبى التى تتطلب إجماعا من قادة دول التكتل الـ27.

ولعل أحدث أزمة من هذا النوع تمثلت فى استخدام أوربان لحق النقض «الفيتو» ضد قرار الاتحاد الأوروبى تقديم قرض عاجل لأوكرانيا بقيمة 90 مليار دولار.

لذا فإن غياب أوربان عن المشهد الأوروبى جعل بروكسل تتنفس الصعداء على أمل حدوث انفراجة فى هذا الملف وغيره من الملفات التى تبنت فيها بودابست سياسات متشددة.

هذا الشعور سيمتد إلى كييف خاصة فى ضوء موقف أوربان المتحفظ والرافض فى كثير من الأحيان لدعم أوكرانيا فى حربها ضد روسيا فدائما ما كان رئيس الوزراء المجرى يؤكد أن هذه الحرب «ليست حربنا».

ومع ذلك فإن هذا التفاؤل الذى ساد بروكسل وكييف قد يتبدد سريعا خاصة أن الزعيم المجرى القادم بيتر ماجيار لا يختلف فى مواقفه كثيرا عن سلفه حتى إن بعض التقارير خلال الحملة الانتخابية كانت تصفه بـ«أوربان الصغير». وبالفعل أكد زعيم حزب «تيسا» أنه سيتمسك بسياسات بودابست الحدودية المتشددة كما أنه أعلن معارضته لإرسال أسلحة لأوكرانيا ومعارضته أيضا لانضمام كييف السريع للاتحاد الأوروبى.