مروى حسن
فى صباحٍ ثقيل داخل الفاتيكان، كان البابا لاون الرابع عشر يجلس بصمتٍ غير معتاد. لم يكن هذا الصمت علامة هدوء، بل انعكاس لعالمٍ مضطرب يتسارع خارج أسوار الفاتيكان. منذ أن تولَّى منصبه فى مايو 2025، بدا وكأنه يحاول إثبات أن الصوت الدينى يمكن أن يكون جزءًا فاعلًا من معادلة السلام العالمية، لا مجرد شاهد عليها.
كان يدرك أن رحلته إلى إفريقيا لن تكون زيارة رعوية عادية، فمع كل محطة، كان يحمل سؤالًا أكبر من الخطابات: كيف يمكن إيقاف الحروب فى عالم أصبح فيه الصراع لغة سهلة الحضور؟ وفى الخلفية، كان يتقاطع هذا الخطاب مع تصاعد التوترات السياسية الدولية، خاصة فى الملف الإيرانى، ومع مواقف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى تَبَنَّى خطابًا أكثر حدة تجاه قضايا الأمن العالمى.
فى خطاباته، انتقد البابا، ما وصفه بتنامى الإنفاق العسكرى على حساب احتياجات الإنسان الأساسية، مُحذِّرًا من أن العالم يُستنزف فى سباق القوة، بينما تتراجع الأولويات الإنسانية مثل التعليم والرعاية الصحية وإعادة الإعمار. وقال فى أحد خطاباته: إن العالم «يُنهك بفعل صراعات تُدار بعقلية القوة لا عقلية العدالة».
فى المقابل، وَجَّه ترامب، انتقادات لمواقف البابا، الرافض للحرب على إيران، معتبرًا أنها تتجاهل تعقيدات الأمن الدولى، وذهب إلى وصف خطابه بأنه «مثالى أكثر من اللازم» فى التعامل مع ملفات حساسة مثل الردع النووى والتحديات الأمنية.
لكن البابا رَدَّ فى أحد لقاءاته العامة برسالة مباشرة المعنى: «العالم لا يُدار بالخوف، بل بالمسئولية الأخلاقية تجاه الحياة الإنسانية»، داعيًا إلى إنهاء دوامة التصعيد وتغليب لغة الحوار.
بدأت جولة البابا من الجزائر، حيث بدت الزيارة أقرب إلى تأمل تاريخى فى معنى المصالحة. هناك، تحدث عن السلام باعتباره عملية طويلة لا تُختصر فى بيانات سياسية، مؤكدًا أن الإنسان يجب أن يسبق السياسة فى كل معادلة.
ومع انتقاله إلى الكاميرون، تَغَيَّر المشهد. فهنا لم تعد الرسائل رمزية فقط، بل مواجهة مباشرة مع واقع صراعات ممتدة ومعاناة يومية. قال إن «الألم الإنسانى لا يمكن اختزاله فى منطق القوة أو الردع»، فى سياق حديثه عن الأزمات التى تعيشها بعض مناطق العالم.
وفى أنغولا وغينيا الاستوائية، حملت الرسالة طابعًا أكثر هدوءًا، لكنها أكثر عمقًا: أن السلام ليس موقفًا لحظيًا، بل ثقافة تُبنى فى التعليم، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
ومع اقتراب نهاية الجولة، بدا واضحًا أن ما بدأ كزيارة رعوية، تَحَوَّل إلى مساحة مواجهة فكرية غير مباشرة بين رؤيتين: إحداهما ترى أن الاستقرار يُصنع بالقوة، وأخرى ترى أنه يُبنى بالإنسان أولًا.
وعند عودته إلى الفاتيكان، لم يكن البابا يحمل انتصارًا أو هزيمة، بل إدراكًا أثقل: أن العالم منقسم بين مَن يرى الحرب ضرورة، ومَن يراها فشلًا أخلاقيًا… وأن اختياره سيظل فى الجانب الذى يحاول تأخيرها لا تبريرها.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







