محمد الزهيرى
نحن أمام أهم لحظة فارقة فى تاريخ لبنان الحديث، الذى يواجه تحديات غير مسبوقة، نتيجة أسباب متعددة بعضها لأسباب تتعلق بتركيبة الحكم الداخلية، والتقسيم الطائفى، بالإضافة إلى مناخ استقطاب إقليمى جعل من الساحة اللبنانية مجالا لتصفية حسابات جهات عديدة أو صندوق بريد يتبادل فيها الفرقاء الإقليميون الرسائل ناهيك على انفراد إدارة ترامب بالقرار الدولى دون منازع وهى من تجيد لعبة الترويج لانتصارات وهمية أو تحقيق إنجازات لا أساس لها من الوقائع، وقفز على الحقائق
اقرأ أيضًا| سفير الصومال يرحب بالبيان المشترك لرفض إعلان إسرائيل تعيين مبعوث لها لدى «أرض الصومال»
ولعل ماجرى مؤخرا أكبر دليل على ذلك منذ ثلاثة أيام استيقظت المنطقة على تصريحات ترامب بالإعلان عن أول اتصال من نوعه بين الرئيس اللبنانى جوزيف عون ونتنياهو منذ حقب عديدة كما قال ولم يكد ينتصف النهار حتى اكتشف العالم إنه لم يحصل على موافقة الطرفين على ذلك بعد أن أعلن الرئيس اللبنانى رفضه لها وكان محقا فى ذلك وبلده يعيش على وقع عدوان مستمر وهجوم امتد إلى العاصمة بيروت، ومدن أخرى ولم يتوقف على الجنوب أو على الضاحية الجنوبية معقل حزب الله، فأخذت الجهود الأمريكية منحى آخر هذه المرة حليفها نتنياهو الذى مارست عليه ضغطا كبيرا للموافقة على وقف إطلاق النار، والذى وجد صعوبة فى تمريره، فى ظل قناعة من قطاعات عريضة من المستوى العسكرى والسياسى بضرورة استمرار مخطط القضاء على قدرات حزب الله وفرض منطقة عازلة فى جنوب لبنان، وكان الحل الوسط اتفاقا على وقف إطلاق النار لعشرة أيام، الصفقة بمثابة انتصار محدود للجانب الإيرانى الذى اشترط أن تمتد الهدنة إلى كل ساحات الإسناد خاصة اللبنانية.
لم يتوقف الأمر عند ذلك فكل المؤشرات تذهب باتجاه صعوبة توصل المفاوضات بين الطرفين اللبنانى والإسرائيلى بإشراف أمريكى على الوصول إلى اتفاق سلام والمرهون بهدف يبدو توافقيا بين الأطراف الثلاثة ولكنه مستحيل على أرض الواقع وهو نزع سلاح حزب الله الذى لن يقبل بذلك ولعل اللجوء للقوة قد يؤدى إلى مواجهات بين الدولة والحزب مما قد يذهب بالبلد إلى أجواء حرب أهلية ثانية.
وهذه محاولة للاقتراب من الملف من خلال البحث فى تفاصيل مواقف كل من إسرائيل والدولة اللبنانية وحزب الله.
فى وقت شديد التعقيد إقليميا ظهرت التحركات الدبلوماسية الأمريكية فى واشنطن كمنعطف محورى فى مسار الصراع بين لبنان وإسرائيل ونتج عنه إعلان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام تمهيدًا لإطلاق مفاوضات مباشرة بين الطرفين، فى اتفاق أظهر طبيعة التعامل الرسمى اللبنانى باستثمار المسار السياسى والدبلوماسى لاحتواء تداعيات التصعيد العسكرى مع عدم التفريط فى الثوابت السيادية أو التوازنات الداخلية الحساسة.
اقرأ أيضًا| «القاهرة الإخبارية»: إسرائيل تتحرك لتثبيت منطقة عازلة جنوب لبنان وسط غموض سياسي
وجاء إعلان الهدنة عقب اتصالات أجراها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مع كل من الرئيس اللبنانى جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، حيث أبدى الطرفان موافقة على وقف إطلاق النار وفتح المجال أمام محادثات برعاية أمريكية، ولم يقتصر الدور الأمريكى على الوساطة بل امتد إلى الاشتراك المباشر فى إدارة هذا المسار وهو ما ظهر من خلال تكليف مسئولين أمريكيين بارزين بمتابعة تنفيذ الاتفاق والعمل على تحويله إلى تسوية دائمة، فيما يعكس رغبة واشنطن فى تحقيق اختراق دبلوماسى فى أحد أكثر الملفات تعقيدًا فى الشرق الأوسط.
بالنسبة للحكومة اللبنانية، فإن القبول بهذا الاتفاق يعكس إدراكًا متزايدًا لحجم الضغوط التى تواجه البلاد سواء على المستوى الداخلى أو الخارجى خصوصا بعدما ألحقت المواجهات العسكرية الأخيرة أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية اللبنانية وأسفرت عن خسائر بشرية كبيرة ونزوح واسع للمواطنين اللبنانيين وهو ما دفع الدولة إلى اتباع مخرج سياسى يخفف من شدة الأزمة وهو ما قد يشير إلى أن الاتفاق على الهدنة كان خيارا اضطراريا، لكنه فى الوقت نفسه محسوب بدقة لتجنب أى تداعيات قد تمس بالوضع الداخلى المعقد.
ويتجاوز الاتفاق مجرد وقف إطلاق النار حيث يتضمن التزامات واضحة على الجانب اللبنانى، أبرزها اتخاذ إجراءات لمنع أى أنشطة عسكرية من قبل الجماعات المسلحة الموجودة فى الأراضى اللبنانية ضد إسرائيل وهو البند الذى يضع الحكومة اللبنانية أمام اختبار حقيقى يتعلق بقدرتها على فرض سيطرتها الأمنية فى ظل وجود قوى فاعلة مثل حزب الله، الذى يشكل جزءًا أساسيًا من المعادلة السياسية والعسكرية فى البلاد.
وفى هذا السياق، يبدو أن بيروت تحاول بناء مقاربة تدريجية تقوم على تعزيز دور مؤسسات الدولة الأمنية لكن بدون الدخول فى مواجهة مباشرة مع حزب الله، وهو ما يظهر فى اللغة الحذرة التى تتبناها الحكومة فى التعاطى مع الاتفاق حيث إنها تدرك أن أى خطوة غير محسوبة فى هذا الاتجاه قد تؤدى إلى توترات داخلية، فى وقت تحتاج فيه البلاد إلى أكبر قدر ممكن من الاستقرار..
اقرأ أيضًا| عقب وقف إطلاق النار| نتنياهو: إسرائيل «لم تنه المهمة بعد» في حربها ضد حزب الله
وتحمل موافقة لبنان على الانخراط فى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل دلالات سياسية عميقة خصوصا أنها ستتناول ملفات حساسة، من بينها ترسيم الحدود البرية وهو الملف الذى طالما شكل مصدر توتر بين الطرفين بما قد يعكس استعدادًا لبنانيًا لإعادة النظر فى بعض ثوابت السياسة التقليدية بما يتماشى مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
ورغم هذا الانفتاح اللبنانى على المفاوضات فإن الموقف اللبنانى لا يخلو من التحفظ خاصة فى ظل استمرار بعض الخروقات الميدانية للهدنة من الجانب الإسرائيلى، حيث تستند الحكومة اللبنانية إلى هذه الخروقات للتأكيد على ضرورة الالتزام الكامل بالاتفاق كما تستخدمها لتعزيز موقفها التفاوضى عبر التأكيد على أن أى تقدم سياسى يجب أن يقابله التزام ميدانى واضح.
داخليا، تراقب الأوساط السياسية والشعبية فى لبنان تطورات الهدنة بحذر حيث ساد شعور عام بالارتياح بطبيعة الحال لوقف العمليات العسكرية، وقد انعكس ذلك فى العودة التدريجية للنازحين إلى مناطقهم، لكن هذا الارتياح يقابله قلق من هشاشة الاتفاق وإمكانية انهياره فى أى لحظة.
إقليميًا، يتقاطع الموقف اللبنانى مع حسابات قوى أخرى خصوصا إيران التى رحبت بالهدنة واعتبرتها خطوة فى اتجاه وقف التصعيد الشامل فى المنطقة، ويضع هذا البعد الإقليمى الحكومة اللبنانية أمام تحدٍ إضافى يتمثل فى كيفية إدارة علاقاتها مع حلفائها دون أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو إلى ورقة ضغط فى المفاوضات الدولية.
أما على الصعيد الدولى، فقد حظى الاتفاق بدعم وترحيب واسع حيث رحبت الأمم المتحدة به معتبرة أنه قد يشكل مدخلًا لتنفيذ القرار 1701 والتوصل إلى حل طويل الأمد، بما يعزز من موقف الحكومة اللبنانية ويدعم توجهها نحو الحلول الدبلوماسية فى ظل إدراك متزايد بأن الخيار العسكرى لم يعد قادرًا على تحقيق الاستقرار المنشود.
فى نهاية الأمر، يمكن وصف الموقف الحكومى اللبنانى بأنه موقف براجماتى يسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب بأقل الخسائر، فى ظل بيئة داخلية وخارجية معقدة حيث تحاول الحكومة أن تستفيد من الزخم الدولى لفرض واقع جديد يقوم على تثبيت وقف إطلاق النار وفتح قنوات التفاوض، لكن أيضا دون الانزلاق إلى تنازلات قد تضعف موقعها الداخلى أو تمس بسيادتها.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







