حزب الله.. الحفاظ على معادلة الردع

الجيش الإسرائيلى يقول إن 70٪ من نيران حزب الله تستهدف قواته بجنوب لبنان
الجيش الإسرائيلى يقول إن 70٪ من نيران حزب الله تستهدف قواته بجنوب لبنان


سميحة شتا

تعود المحادثات غير المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، التى تستضيفها واشنطن، إلى واجهة المشهد الإقليمى فى لحظة تتسم بقدر عالٍ من التعقيد السياسى والأمنى، حيث تتقاطع حسابات التهدئة مع مخاوف الانزلاق إلى مواجهة أوسع على الجبهة الشمالية لإسرائيل. وفى هذا السياق، لا يمكن فهم فرص نجاح أى مسار تفاوضى دون التوقف عند العامل الأكثر تأثيراً فى المعادلة اللبنانية، والمتمثل فى حزب الله، الذى يمتلك من الأدوات السياسية والعسكرية ما يؤهله لعرقلة أى اتفاق لا يتماشى مع رؤيته الاستراتيجية أو مع مصالح حلفائه الإقليميين، وفق ما تشير إليه تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث مثل «مجموعة الأزمات الدولية» وتقارير منشورة فى «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى».

اقرأ أيضًا| نتنياهو: المهمة في لبنان لم تنته.. وحزب الله اليوم ليس إلا ظلا

تسعى واشنطن من خلال هذه المحادثات إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وربما البناء على اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذى تم التوصل إليه عام 2022 بوساطة أمريكية، والذى اعتُبر حينها نموذجاً لإمكانية تحقيق تفاهمات محدودة دون الوصول إلى سلام شامل، كما أوردت تقارير «رويترز» و»نيويورك تايمز». غير أن الفارق الجوهرى بين الملفين البحرى والبرى يكمن فى أن الأول كان ذا طابع تقني-اقتصادى، بينما يرتبط الثانى مباشرة باعتبارات السيادة والأمن القومى، وهى ملفات يتداخل فيها دور الدولة اللبنانية مع نفوذ حزب الله بشكل معقد.

خاضت إسرائيل وحزب الله حروباً متعددة منذ تشكيل الجماعة اللبنانية المسلحة المدعومة من إيران فى ثمانينيات القرن الماضى كقوة حرب عصابات تقاتل ضد احتلال إسرائيل لجنوب لبنان فى ذلك الوقت.

بدأت الجولة الأخيرة فى الثانى من مارس، بعد يومين من إعلان إسرائيل والولايات المتحدة الحرب على إيران. ودخل حزب الله المعركة، مطلقاً صواريخ عبر الحدود باتجاه إسرائيل. وردت إسرائيل بقصف جوى وجزو برى.

التجربة اللبنانية أظهرت أن الحكومة، رغم اعتراف المجتمع الدولى بها كممثل رسمى للدولة، لا تملك وحدها قرار السلم والحرب، إذ يبرز حزب الله كفاعل موازٍ يمتلك ترسانة عسكرية كبيرة وقدرة على اتخاذ قرارات ميدانية مستقلة. وتشير تقديرات إسرائيلية نشرتها «هآرتس» و»معاريف» إلى أن الحزب يمتلك عشرات الآلاف من الصواريخ، بعضها دقيق الإصابة، ما يمنحه قدرة ردع فعالة، وفى الوقت نفسه أداة ضغط يمكن استخدامها لتعطيل أى مسار تفاوضى لا يرضى حساباته. هذه المعادلة تجعل من أى اتفاق محتمل رهينة لتوازن داخلى دقيق، حيث لا يكفى توافق الحكومة اللبنانية وإسرائيل، بل يتطلب أيضاً، بشكل مباشر أو غير مباشر، موافقة الحزب أو على الأقل عدم معارضته.

اقرأ أيضًا| حزب الله ينفي علاقته بالهجوم على عناصر يونيفيل في جنوب لبنان

من جهة أخرى، يتبنى حزب الله خطاباً علنياً يرفض الاعتراف بإسرائيل أو الدخول فى اتفاق سلام معها، معتبراً أن أى مفاوضات تخرج عن إطار «إدارة النزاع» أو «ترسيم الحدود» تمثل تنازلاً استراتيجياً. وقد نقلت «المنار» ووسائل إعلام قريبة من الحزب مواقف تؤكد أن سلاحه باقٍ كجزء من «معادلة الردع» فى مواجهة إسرائيل، ما يعنى أن أى اتفاق لا يتضمن معالجة هذا الملف سيظل هشاً وقابلاً للانهيار. فى المقابل، تدرك واشنطن، بحسب تحليلات «كارنيجى للشرق الأوسط»، أن الضغط لنزع سلاح الحزب أو تقليص نفوذه بشكل مباشر قد يؤدى إلى نتائج عكسية، بما فى ذلك تفجير الوضع الداخلى اللبنانى.

وتتجلى قدرة حزب الله على العرقلة فى عدة مستويات، أولها المستوى الميدانى، حيث يمكنه التصعيد العسكرى المحدود على الحدود لإرسال رسائل ضغط، كما حدث فى جولات سابقة من التوتر، وهو ما أشارت إليه تقارير «بى بى سى» التى رصدت نمط «التصعيد المحسوب» الذى يتبعه الحزب. أما المستوى الثانى فهو السياسى، إذ يمتلك الحزب وحلفاؤه ثقلاً داخل المؤسسات اللبنانية، بما يمكنهم من تعطيل قرارات حكومية أو منع تمرير اتفاقات تحتاج إلى غطاء سياسى داخلى واسع. ويبرز المستوى الثالث فى البعد الإقليمى، حيث يرتبط الحزب بعلاقات وثيقة مع إيران، ما يجعل موقفه جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بالمواجهة بين طهران وواشنطن، كما توضح دراسات صادرة عن «مجلس العلاقات الخارجية».

فى المقابل، لا يعنى ذلك أن حزب الله يسعى بالضرورة إلى إفشال كل مسار تفاوضى، بل تشير بعض التحليلات إلى أنه قد يقبل بتفاهمات محدودة تخفف من احتمالات الحرب، بشرط ألا تمس جوهر دوره العسكرى أو شرعيته الداخلية. وقد استُدل على ذلك بموافقته الضمنية على اتفاق ترسيم الحدود البحرية، الذى وفر للبنان مكاسب اقتصادية دون أن يُفسَّر كخطوة نحو التطبيع. هذا النمط من «القبول المشروط» يعكس براجماتية تكتيكية، لكنه فى الوقت نفسه يضع سقفاً واضحاً لأى مفاوضات مستقبلية.

المحادثات فى واشنطن أقرب إلى محاولة لإدارة التوتر ومنع الانفجار، أكثر من كونها مساراً حقيقياً نحو سلام شامل. فنجاحها مرهون بقدرة الأطراف على التوصل إلى صيغة توازن بين متطلبات الأمن الإسرائيلى، واعتبارات السيادة اللبنانية، ودور حزب الله كقوة فاعلة لا يمكن تجاوزها. وبينما قد تفضى هذه الجهود إلى تفاهمات جزئية أو ترتيبات ميدانية محدودة، فإن الوصول إلى اتفاق سلام حقيقى سيظل رهناً بتحولات أعمق فى بنية الصراع الإقليمى، وفى موقع الحزب داخل المعادلة اللبنانية.. يتضح بذلك أن حزب الله يمتلك بالفعل القدرة على عرقلة أى اتفاق سلام لا يتوافق مع مصالحه، سواء عبر أدواته العسكرية أو نفوذه السياسى، لكن هذه القدرة لا تعنى بالضرورة استخدامه لها بشكل مطلق، بل توظيفها ضمن حسابات دقيقة توازن بين تجنب الحرب الشاملة والحفاظ على موقعه كفاعل رئيسى فى معادلة الردع. وفى ظل استمرار هذا التوازن الهش، ستبقى أى مفاوضات بين لبنان وإسرائيل محكومة بسقف منخفض من التوقعات، ومفتوحة على احتمالات متعددة تتراوح بين التهدئة المؤقتة والتصعيد المفاجئ.