في صمت الأرض الممتد عبر آلاف السنين، تظل مواقع مصر الأثرية شاهدة على حضارات تعاقبت وتركت خلفها شفرات لم تُفك بالكامل بعد.
وفي واحدة من أكثر هذه المواقع ثراءً وتعقيدًا، تعود منطقة البهنسا بمحافظة المنيا لتكشف عن فصل جديد من تاريخها العريق، حيث لم يعد الكشف الأثري الأخير مجرد إضافة رقمية إلى سجل الاكتشافات، بل نافذة واسعة لفهم طبيعة المعتقدات الجنائزية، والتفاعل الثقافي بين الحضارتين المصرية واليونانية خلال العصرين اليوناني والروماني.

هذا الاكتشاف يطرح تساؤلات عميقة حول طقوس الموت، وفلسفة الخلود، وكيف استطاع الإنسان القديم أن يمزج بين عقائد متعددة ليصوغ رؤية خاصة للعالم الآخر.
◄ بعثة إسبانية تكشف مقبرة رومانية جديدة
في إنجاز أثري مهم، نجحت البعثة الأثرية الإسبانية التابعة لجامعة برشلونة ومعهد الشرق الأدنى القديم، برئاسة الدكتورة مايته ماسكورت والدكتورة إستير بونس ميلادو، في الكشف عن مقبرة تعود للعصر الروماني بمنطقة البهنسا، وذلك ضمن أعمال حفائرها المستمرة التي تستهدف استكشاف المزيد من خبايا هذا الموقع التاريخي الفريد.
أسفرت أعمال الحفائر عن العثور على عدد من المومياوات التي تنتمي إلى العصر الروماني، وقد تميز بعضها بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية دقيقة، تعكس تطورًا ملحوظًا في أساليب التحنيط والفنون الجنائزية.

كما تم الكشف عن توابيت خشبية، إلى جانب أدلة واضحة على استخدام رقائق الذهب في تغطية بعض المومياوات، وهو ما يعكس مكانة المتوفى ورمزية الذهب المرتبطة بفكرة الخلود.
◄ ألسنة ذهبية ونحاسية.. طقوس لضمان البعث
من أبرز ما تم العثور عليه داخل المقبرة، ثلاثة ألسنة ذهبية ولسان رابع مصنوع من النحاس، وهي عناصر جنائزية نادرة ارتبطت بمعتقدات المصريين خلال تلك الفترة، حيث كانت توضع داخل فم المتوفى لضمان قدرته على النطق في العالم الآخر، ويعكس هذا الطقس تداخلًا واضحًا بين العقيدة المصرية القديمة وبعض التأثيرات اليونانية والرومانية.
في كشف يُعد من أهم ما تم العثور عليه، نجحت البعثة في استخراج بردية نادرة من داخل إحدى المومياوات، تتضمن نصًا من الكتاب الثاني من ملحمة الإلياذة للشاعر هوميروس، وتحديدًا الجزء المعروف بـ"فهرس السفن"، والذي يسرد تفاصيل الجيوش المشاركة في الحرب ضد طروادة. ويؤكد هذا الاكتشاف عمق التفاعل الثقافي بين مصر والعالم اليوناني، ويمنح الموقع بعدًا أدبيًا وتاريخيًا فريدًا.
◄ غرف دفن تكشف طقوسًا مركبة
أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المكتشفة خلال موسم 2024، كشفت عن خندق يحتوي على ثلاث غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبق منها سوى أجزاء محدودة، لكنها تحمل دلالات مهمة حول تنوع طقوس الدفن.

ففي الغرفة الأولى، تم العثور على جرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وقد لُفّت جميعها بقطع من النسيج، في طقس يجمع بين الحرق والدفن.
أما الغرفة الثانية، فقد احتوت على جرة مماثلة تضم بقايا شخصين محروقين، إلى جانب عظام حيوانية، مما يشير إلى طقوس جنائزية مركبة قد تحمل دلالات دينية خاصة أو رمزية غير تقليدية.
◄ تماثيل تيراكوتا وبرونز تعكس التمازج الديني
كما أسفرت الحفائر جنوب الموقع عن العثور على مجموعة من التماثيل الصغيرة المصنوعة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل تمثل المعبود حاربوقراط في هيئة فارس، إلى جانب تمثال صغير للإله كيوبيد، وهو ما يعكس بوضوح حالة التمازج بين المعتقدات المصرية واليونانية والرومانية خلال تلك الفترة.

وفي موقع آخر داخل البهنسا، كشفت أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) عن عدد من المومياوات الرومانية، إلى جانب ألسنة ذهبية ونحاسية، وتوابيت خشبية ملونة داخل حجرة دفن تحت الأرض تُعرف بـ"هيبوجيوم"، إلا أن هذه المكتشفات جاءت في حالة تدهور ملحوظة نتيجة تعرضها لعمليات نهب في العصور القديمة، وهو ما يعكس تاريخًا طويلًا من العبث بالمقابر.
اقرأ ايضا| «كنوز تُنتزع من الظل».. مصر تعيد كتابة قصة استرداد آثارها من قلب أمريكا
وأعرب شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، عن سعادته بهذا الكشف، مؤكدًا أنه يمثل إضافة مهمة لسلسلة الاكتشافات التي تشهدها محافظة المنيا، ويعكس ثراء الحضارة المصرية وتنوعها عبر العصور.

كما أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن هذا الكشف يقدم معلومات جديدة ومهمة حول الممارسات الجنائزية في البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني، ويسهم في تعزيز الفهم العلمي لطبيعة الحياة والمعتقدات في تلك الفترة.
◄ البهنسا.. مدينة لا تنتهي أسرارها
هذا الكشف ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاكتشافات التي تؤكد أن البهنسا ما زالت تحتفظ بالكثير من أسرارها، وأن كل موسم حفائر يحمل معه مفاجآت تعيد رسم ملامح التاريخ، فهي ليست مجرد موقع أثري، بل سجل مفتوح لحضارات متعددة، تلاقت وتفاعلت على أرضها، وتركت إرثًا إنسانيًا يستحق المزيد من البحث والدراسة.

12 ألف زائر و50 دولة.. كيف يدعم معرض العلمين الدولي حركة السياحة؟
العلمين الجديدة.. مُحرك جديد للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية
معرض الطيران.. القوات المسلحة تحول سماء العلمين إلى منصة عروض جوية عالمية






