حوائط الصد العربية : كيف تصون السياسات النقدية القوة الشرائية للمواطن؟
بقلم: د. أحمد شديد صبرى
خبير الأقتصاد الكلى والشئون الأستراتيجيه
فى ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة والموجات التضخمية التي تضرب الاقتصاد العالمي خاصة بعد مرور أكثر من شهر ونصف على حرب ايران أضحى الحفاظ على "القوة الشرائية" للمواطن هو الشاغل الأكبر والهدف الأسمى لصانعى السياسات الاقتصادية في المنطقة العربية..
فالتضخم ليس مجرد رقم إحصائى بل هو تآكل تدريجى في قدرة الفرد على تلبية احتياجاته الأساسية وهنا يأتي دور البنوك المركزية العربية كحائط صد رئيسى عبر أدواتها النقدية المتعددة.
السياسة النقدية: ضبط الإيقاع بين النمو والتضخم
تعتمد البنوك المركزية العربية في حماية القوة الشرائية على فلسفة "استهداف التضخم". وتعد أسعار الفائدة هي الأداة الأكثر حيوية في هذا السياق فحينما ترتفع معدلات التضخم نتيجة زيادة الطلب أو ارتفاع تكاليف الاستيراد يلجأ البنك المركزى إلى رفع الفائدة ..
و هذا الإجراء رغم كلفته على الاقتراض الاستثمارى يهدف أساساً إلى امتصاص السيولة الفائضة من الأسواق وتشجيع الادخار مما يقلل من وتيرة صعود الأسعار ويحمى قيمة العملة المحلية..
ففي دول الخليج العربى مثلا نجد أن السياسة النقدية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ استقرار سعر الصرف (بسبب ربط العملات بالدولار باستثناء الكويت التي تربطها بسلة عملات) هذا الربط يوفر نوعاً من "المراسي النقدية" التي تحمي المواطن من تقلبات الأسعار العالمية للسلع المستوردة حيث يضمن استقرار تكلفة الاستيراد وبالتالى استقرار أسعار السلع في الأسواق المحلية و يحميها من التضخم نوعا ما حتى بات المواطن فى الاسواق الخليجيه لا يشعر بتغيير فى سعر السلع او سعر الصرف لعشر سنوات مثلا و اكثر من 20 عاما فى حالة دولة مثل الكويت .
إدارة السيولة والاحتياطيات الأجنبية
لا تقتصر الحماية على أسعار الفائدة فحسب بل تمتد لتشمل إدارة الاحتياطيات الدولية و تعمل البنوك المركزية فى الدول العربية (سواء النفطية أو المتنوعة الاقتصاد) على تكوين احتياطيات قوية من النقد الأجنبي..
بالأضافة الى احتياطيات الذهب ذلك المعدن الأصفر والذى تمتلك منه الدول العربية مجتمعة قرابة الألف وستمائة طن تتصدرها المملكة العربية السعوديه بحوالى 323 طنا ويليها لبنان 287 طن ثم الجزائر ب174 طن و العراق 171 طن ثم ليبيا 146 طن فمصر 129 طن وتنتهى بالأردن ب71 طنا فى قائمة أكبر عشرة دول تمتلك احتياطى للذهب فى الوطن العربى
هذه الاحتياطيات تمثل "صمام أمان" للدفاع عن قيمة العملة الوطنية أمام الهزات الخارجية فكلما كانت العملة قوية ومستقرة ظلت القدرة الشرائية للمواطن في مأمن من التضخم المستورد الذي ينتج عن انخفاض قيمة العملة المحلية مقابل العملات الصعبة.

هذا الرسم يوضح فلسفة كل دولة في حماية مواطنيها:
• مصر : تضحى بزيادة تكلفة التمويل (الفائدة العالية) كخيار استراتيجى لامتصاص التضخم وحماية المدخرات من التآكل السريع.
• الأردن : يركز بشكل كامل على استقرار العملة كأداة وحيدة تقريباً لضمان عدم ارتفاع أسعار السلع المستوردة.
• المغرب : يحقق توازناً مثالياً بين الفائدة المنخفضة والتضخم المنخفض مما يشير إلى نجاح التنسيق بين السياسة النقدية والقطاعات الإنتاجية.
التحول نحو "السياسة النقدية النوعية"
في السنوات الأخيرة بدأت بعض البنوك المركزية العربية (مثل مصر، الأردن، والمغرب) في تبنى سياسات نقدية أكثر مرونة مع التركيز على الشمول المالى..
إن دمج شرائح أكبر من المجتمع في المنظومة الرسمية كأصحاب الحرف و التجار والباعة وحتى عمال اليوميه وأصحاب الأعمال الصغيرة والذين كانوا يعملون فى الظل بعيدا عن مظلة الدولة يتيح لمعظم المواطنين الوصول إلى أدوات ادخارية واستثمارية تحمى مدخراتهم من التآكل وتحول الأقتصاد الموازى الى جزء هام وركيزة أساسية فى الأقتصاد الرسمى وتدعمه وتدفع المواطنين الى الأدخار القومى والأنصهار فى منظومة البنوك لتحقيق نسب مرتفعة للغايه فى الشمول المالى كما أن المبادرات التمويلية الموجهة للقطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة) مهما كان حجم أعمالها ومهما صغرت حجم أعمالها من ورشة صغيرة الى مصنع كبير ومن مزرعة ضخمة الى فلاح بسيط بأسعار فائدة مدعومة تساعد في زيادة المعروض السلعى المحلى مما يساهم في خفض الأسعار على المدى المتوسط والبعيد.
التحديات والموازنات الصعبة
إن مهمة البنك المركزى في حماية القوة الشرائية ليست يسيرة فهى تتطلب موازنة دقيقة بين كبح التضخم (عبر رفع الفائدة) وبين عدم خنق النمو الاقتصادى..
فالرفع المبالغ فيه لأسعار الفائدة قد يؤدى إلى ركود بينما التراخى قد يؤدي إلى انفلات سعرى يدمر مدخرات الطبقة المتوسطة والفقيرة لذا تبرز أهمية التنسيق بين السياسة النقدية ( التى يضعها البنك المركزى ) والسياسة المالية (التى تقرها الحكومة) لضمان أن تتوجه القروض نحو الأنشطة الإنتاجية التي تخلق قيمة مضافة
وليس فقط لتمويل الاستهلاك ..
فلا يمكن للسياسة النقدية أن تعمل في معزل عن التوجهات المالية للدولة فالعلاقة بينهما هي علاقة عضويّة وتكاملية لضمان كفاءة الأداء الاقتصادى..
وهذه العلاقة تمثل حجر الزاوية في حماية القوة الشرائية فبينما يعمل البنك المركزى على كبح جماح التضخم عبر أدوات الفائدة وإدارة السيولة يجب أن تتبنى السياسة المالية (الخزانة العامة) انضباطاً حقيقياً في الإنفاق العام لتقليص عجز الموازنة..
علاوة على ذلك يبرز التكامل فى قدرة السياسة المالية للدولة على توفير شبكات الأمان الاجتماعى والموجهة للفئات الأكثر تضرراً من الإجراءات النقدية الانكماشية ففى الوقت الذي يضطر فيه البنك المركزى لرفع الفائدة لامتصاص الصدمات السعرية تتدخل المالية العامة عبر برامج الدعم النقدى المباشر أو الإعفاءات الضريبية على السلع الأساسية مما يخلق توازناً دقيقاً يحفظ للمواطن قدرته على العيش الكريم دون الإخلال بمستهدفات الاستقرار النقدى الكلى.
الخاتمة
إن حماية القوة الشرائية للمواطن العربي في عالم مضطرب تتطلب سياسات نقدية تتسم بالاستباقية والشفافية ..
إن نجاح البنوك المركزية في الحفاظ على استقرار الأسعار هو الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار الاجتماعى والنمو المستدام
فالاقتصاد القوى يبدأ من عملة مستقرة تمنح المواطن الثقة في حاضره والاطمئنان على مدخرات مستقبله .

رندة أحمد تستعد لطرح ألبومها الجديد بعد نجاح "يمه ضحكلي"
كيف تحوّل عقارك إلى مصدر دخل سلبي رقمي في مصر؟
القلا: شراكة البنك الأهلي المصري تمثل نقطة انطلاق جديدة لإنشاء أكثر من 100 مدرسة في 100 مركز بمختلف المحافظات





