مسلسل«فرصة أخيرة».. إضاعة البوصلة في منتصف الرحلة

مسلسل«فرصة أخيرة»
مسلسل«فرصة أخيرة»


محمد‭ ‬كمال

يرتكز مسلسل “فرصة أخيرة” على تيمتين رئيسيتين راسختين في تربة الدراما المصرية، التي طالما أنبتت منهما حكايات مشحونة بالأسئلة الكبرى، تلك التي شغلت قلم السيناريست الراحل وحيد حامد، وجعلت من العدالة ساحة للصراع، ومن الإنسان مرآة للقدر. التيمة الأولى هي البحث عن العدالة، لا بوصفها نصًا جامدًا، بل كمعركة أخلاقية يتورط فيها الإنسان حتى أعماقه. يتجلى ذلك في شخصية القاضي الصارم الشريف “يحيى الأسواني”، التي قدمها محمود حميدة بوقار مشوّب بالعاصفة، إذ يقف الرجل عند تخوم نهاية خدمته، لا ليحصد ثمار سنواته، بل ليواجه سؤالًا وجوديًا: هل ينحاز للقانون أم لما تبقى من إنسانيته؟ ولعل أقرب ظلال هذا المسار تمتد إلى فيلم “رجل لهذا الزمان”، من تأليف وحيد حامد عام 1986، حيث كان القانون مرآة لضمير لا يهدأ.

التيمة الثانية تتمثل في ذلك الخيط الرفيع المرتعش بين عدالة السلطة وعدالة الفرد، بين نصوص مكتوبة وأعراف تنبض في الشارع، صراع قديم يتجدد في كل زمان، وقد لامسه وحيد حامد في فيلم “الغول” عام 1983، حين استدعى قانون ساكسونيا، كما تجسد أيضًا، ولو في مساحة أضيق، في شخصية “المعلم بنورة” في مسلسل “أوان الورد” عام 2000، تلك الشخصية التي تعود هنا في هيئة “بدر أباظة”، الذي يجسده طارق لطفي، حيث يصبح القانون الخاص مرادفًا للنفوذ، والعدل مرهونًا بميزان القوة.

يضم مسلسل “فرصة أخيرة” مجموعة من الممثلين، بجانب محمود حميدة وطارق لطفي، مثل علي الطيب، ندى موسى، عمرو صالح، سينتيا خليفة، ونورا مهدي، عن قصة لأمين جمال، وسيناريو وحوار محمود عزت، وإخراج أحمد عادل سلامة، وقد عرض ضمن مسلسلات النصف الثاني من شهر رمضان عبر منصة Watch It، محققا صدى جماهيريًا واسعًا عبر حلقاته الخمس عشرة.

في قلب الحكاية يقف قطبان، كأنهما جبلان يتناطحان، الأول القاضي يحيى الأسواني، الذي يقدس القانون حتى على حساب أسرته وعلاقته بهم، والثاني بدر أباظة، رجل صعد من القاع، لكنه لم يخلع عنه غبار الطريق، بل مزجه بسطوة المال ونفوذ الظل، فصار يدير العدالة بميزانه الخاص. يطبق الأسواني عدالة الدولة، بينما يسن أباظة شريعته الشخصية، وهنا لا يكون الصراع مجرد اختلاف في الرأي، بل تصادمًا بين عالمين.

يجمع الرجلين أصل واحد: حي شبرا، ذلك الحي الشعبي الذي حفظ ملامحهما الأولى، واحتفظ في ذاكرته ببذور العداء. جاران كانا، ومعرفة قديمة لم يكشف العمل كل تفاصيلها، لكن الكراهية بينهما نمت كعشب بري. يرى بدر في يحيى تعاليًا متجسدًا، رجلا لا ينحني إلا لنص القانون، ويرى يحيى في بدر قفزة مشبوهة من الفقر إلى الثراء، حيث كان الأب بائع “روبابيكيا” قبل أن يضاعف الابن الإرث، ويبني إمبراطورية من الظلال عبر أعمال مشبوهة. ويزداد الشقاق حين يسعى بدر لتحويل بيوت شبرا العتيقة إلى مجمع حديث، بينما يرفض يحيى التفاوض ويتمسك بشقته، وتبلغ المواجهة ذروتها حين يتورط شقيق بدر الأصغر في قضية شائكة، ويقبل يحيى العودة إلى منصة القضاء، بينما يقف بدر خلف الكواليس، راغبًا في لي عنق العدالة.

لكن ما لا يقال صراحة، أن كليهما لا يسعى فقط إلى العدالة أو النجاة، بل إلى كسر الآخر. يشترك الرجلان أيضًا في سمة خفية، وهي الكبر والعناد. نعم، كلاهما يقاتل من موقع أخلاقي ظاهري، لكن تحت السطح تتحول القضية إلى مبارزة شخصية. كان يمكن ليحيى أن يتنحى، درءا لتضارب المصالح، وكان يمكن لبدر أن يترك القانون يأخذ مجراه، فالقضية، في جوهرها، ضرب أدى إلى موت دون نية أو سبق إصرار أو استخدام أسلحة، وعقوبتها محددة في القانون المصري بالحبس من ثلاث إلى سبع سنوات، لكن العناد حين يتلبس العدالة يفسدها، وكلاهما اتخذ من القضية فرصة لهزيمة الآخر.

بذكاء درامي، يوظف السيناريو هذا الكبر والعناد عبر مسارين: أولهما استحضار قضية “فتاة المنصورية” وتوظيفها دراميًا في الأحداث، وثانيهما تفكك العلاقات من حولهما مع المقربين، التي تصبح على وشك الانهيار. وبرع السيناريو في رسم خطوط درامية تحيط بالثنائي وتتشابك بينهما، بدر متزوج سرا من فريدة “سينتيا خليفة”، صديقة دلال “ندى موسى” ابنة يحيى، وياسين الأسواني “عمرو صالح” يقترب من شيرين أباظة “نورا مهدي”، بينما تتآكل علاقة يحيى بأبنائه بسبب غيابه الدائم، وذكريات دامية دفعت فيها زوجته ثمن التزامه بالقانون. حتى الحب لا ينجو، فعلاقته بنيللي “نادين” تتصدع تحت وطأة انشغاله، وعلى الجانب الآخر يقف بدر محاطا بتصدعات مؤجلة، مع شقيقته وأهل الضحية، وأسر أصدقاء شقيقه، وسمعته التي ستختبر في معركة البرلمان، بل وحتى رجاله، وعلى رأسهم ضاوي الأعرج “محمود حافظ”، الذي قد ينقلب من أداة إلى عبء.

وفي خضم هذا الزخم، ينحرف المسار نحو قرار متهور من بدر أباظة، وهو اختطاف الطفلة فيروز حفيدة يحيى، وهي خطوة يائسة كأنها رصاصة أطلقت في الهواء، لكنها أصابت قلب الحكاية. وهنا تنزلق الدراما من عمقها الإنساني إلى مسار بوليسي تقليدي، تقوده شخصية المقدم حازم “علي الطيب”، ويخفت الإيقاع، ويتحول التوتر إلى تكرار باهت، بين مخبأ الخاطفين ومحاولات البحث، وكأن السرد دخل دائرة مغلقة. يبتعد العمل عن جوهره، وعن صراعه الأصلي، وتتراجع شخصية يحيى من مركز الصراع إلى هامشه، بينما يتضخم حضور بدر في لحظة يفقد فيها السيطرة، فيختل ميزان الحكاية.

ومع ذلك، تظل هناك خيوط لامعة كان يمكن لها أن ترتقي بالعمل إلى أفق آخر، علاقة الأب بابنته التي تجرعت غيابه، وتصف نفسها بأنها ابنة رجل غائب، ظل ذهنه مشتتًا ومستغرقًا في القانون والقضاء، لدرجة جعلتها تقرر السفر إلى الولايات المتحدة، حيث يعيش طليقها، فقط لتعيش طفلتها بالقرب من والدها. والابن ياسين، الذي استقل وهرب ليجد نفسه بعيدًا عنه، أما بدر، الذي يحب بشراسة شقيقيه وزوجته السرية، لكنه يخضع من يحبهم دون أن يدري، مستعد لفعل أي شيء غير أخلاقي في سبيل حمايتهم.

تلك التفاصيل، التي تمثل الجوانب الرمادية في شخصيتي الثنائي، والصراع المتشابك بينهما، كانت هي روح العمل في نصفه الأول، حيث يتجلى المأزق الإنساني: أب يختبئ خلف قدسية القانون، وآخر يلوذ بحب شعبي فطري، لكنه لا يخلو من السيطرة. غير أن جنوح العمل نحو الخطف والمطاردات البوليسية كان كمن أضاع البوصلة في منتصف الرحلة، ففقد تماسكه، وأهدر فرصته الأخيرة.

اقرأ  أيضا: طارق لطفي: وقوفي أمام محمود حميدة كشف لي عن إنسان حقيقي 

;