وسط الحروب العديدة التى يخوضها الرئيس الأمريكى ترامب بالداخل والخارج، كان غريبًا أن ينفجر الخلاف بينه وبين بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، وأن يتبادل الطرفان الانتقادات علنًا بعد شهور من إصرار رأس الكنيسة الكاثوليكية على موقفه الثابت الرافض للحروب والمتمسك بسيادة القانون فى مواجهة القوة الغاشمة التى تهدد سلام الإنسان واستقرار الدول.
الصدام الأخير اندلع بعد انتقاد البابا للتهديد بتدمير الحضارات والتصعيد الخطير فى حرب إيران، داعيًا للسلام فى كل مكان، الرئيس ترامب كتب غاضبًا ومتهمًا البابا بأنه «لا يؤدى عمله على أكمل وجه، إنه شخص ليبرالى للغاية، ورجل لا يؤمن بمكافحة الجريمة، ولا يؤمن بأننا يجب أن نواجه دولة تسعى لامتلاك سلاح نووى لتدمير العالم»، وفى مواجهة تمسك البابا بأن رسالته ستظل الدعوة للسلام وتجنب الحروب بالدمار، كان الهجوم يتصاعد من جانب ترامب، الذى أكد أن ليو الرابع عشر لم يكن على أى قائمة ليصبح البابا، ولم تضعه الكنيسة هناك إلا لأنه أمريكى، وقد ظنوا أن ذلك سيكون أفضل طريقة للتعامل مع الرئاسة الأمريكية، ولو لم أكن أنا فى البيت الأبيض، لما كان قد وضع فى القائمة!
وفى حقيقة الأمر.. فإن البابا ليو الرابع عشر الأمريكى الأصل، قضى معظم حياته الكنيسية بأمريكا الجنوبية وأنه يحمل أيضًا جنسية «بيرو» التى عاش فيها طويلًا فى ظل التطورات المهمة التى شهدتها الكنيسة فى أمريكا اللاتينية وجعلتها أكثر انحيازًا للتحرر الوطنى والعدالة الاجتماعية والبُعد عن التعصب والكراهية، كما أنه يخلف البابا فرانسيس الذى أحدث تغييرات إصلاحية عديدة فى الفاتيكان وكان داعية للحوار والتفاهم بين البشر ومثالًا فى التواضع والانحياز للفقراء، ولهذا كان من الطبيعى أن يسير «البابا ليو» على نفس الطريق، وأن يقف ضد الحروب والدمار وأن يقابل الاتهامات بأن يتدخل فى السياسة بالإصرار على الدعوة للسلام ورفض أن تكون القوة الغاشمة بديلًا للقانون.. أيًا كان مصدرها!!..
وفى حقيقة الأمر.. فإن ما جعل لمعارضة البابا للحروب والدمار تأثيرها فى هذا التوقيت هو ما بدأ مع حرب غزة وامتد حتى الآن من محاولات قادتها إسرائيل واللوبى الصهيونى الإنجيلى الأمريكى لاستخدام الدين من أجل تبرير الإبادة والدمار!
يبقى لافتًا هنا أن معركة «البابا وترامب»، تندلع فى الوقت الذى يشتد فيه الصراع فى أمريكا وأوروبا بين قوى الاعتدال من ناحية واليمين المتطرف الذى يحاول استغلال الدين ويستعين بنفوذ «البيزنس» من ناحية أخرى للسيطرة على الحكم وتبنى أجندة تحض على التعصب والكراهية وتتبنى سياسات اقتصادية ضد الفقراء، وتنحاز للقوة الغاشمة ضد العدل والقانون!!..
ولا شك أن ما بدأ مع حرب الإبادة فى غزة من تحركات شعبية هائلة فى أمريكا وأوروبا يستمر ويتصاعد.. وبعد أن كانت سيطرة هذا اليمين المتطرف والمتعصب على الحكم فى معظم دول أوروبا مسألة وقت، تتحول الأوضاع الآن وتتوالى الضربات لصالح قوى الاعتدال رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التى كانت فى العادة تصب فى مصلحة التطرف!!
بعد أسابيع قليلة من نتائج جيدة لقوى اليسار والوسط فى انتخابات فرنسا المحلية وتراجع لليمين المتطرف على عكس التوقعات..
تأتى الضربة الكبرى فى المجر مع السقوط المدوى لحكم أوربان بعد ١٦ عامًا من السيطرة الكاملة على الحكم، وبعد معركة كان فيها «ترامب» هو الداعم الأكبر لأوربان!! والنتيجة تعنى الانتصار لأوروبا الموحدة وقرارها المستقل، كما تعنى أيضًا أن أوروبا تستفيق وتدرك حجم الكارثة التى ستُواجهها إذا سمحت لقوى التطرف والكراهية أن تأخذها للهاوية!!..
أوروبا تستفيق وتُعيد حساباتها، وإيطاليا تنهى الاتفاقية العسكرية مع إسرائيل، ورئيسة الحكومة اليمينة «ميلونى» تتخذ موقفًا حاسمًا من تجاوزات ترامب ونتنياهو!! بينما بابا الفاتيكان يواصل جولته الاستثنائية فى إفريقيا التى بدأها من الجزائر بأغلبيتها العربية الإسلامية، فى رسالة واضحة بأن جوهر الدين هو المحبة والسلام والعيش المشترك، وأن الكراهية مهما تسلحت بالقوة لن تحكم العالم، ولن تظل بلا حساب.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







