رغم العقبات الكثيرة، تؤكد الأحداث التى تمر بها المنطقة ضرورة الاتفاق حول ترتيباتٍ عسكرية عربية مشتركة، ورؤية تُدرك تعقيدات الواقع وتستوعب اختلافاته.
ومع توافر قدر من التفاهم والثقة، يمكن أن تتدرج الخطوات نحو أشكال أعمق من التعاون، على نحو هادئ ومدروس، يوازن بين الطموح والإمكانات، ويجعل من العمل المشترك مسارًا مُمكنًا، وليس مجرد فكرة مؤجلة.
عاجلًا أو آجلًا سوف تنتهى الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران، وتسحب أمريكا جيوشها، وتُوفّق أوضاعها سلميًا مع النظام الإيرانى، ولكنها لن تترك منطقة الخليج طالما فيها برميل بترول واحد.
أمريكا تريد إيران «شوكة» فى ظهر الخليج، و»ريش نعام» فى صدر إسرائيل، وإيران تريد ودائعها المُجمدة بمئات المليارات، وتسهيلات فى قضية اليورانيوم المُخصب، أما مضيق هرمز فهو مجرد ورقة ضغط عديمة الجدوى.
كيف تعود اللُحمة لمواجهة المخاطر المُحتملة، والعرب مختلفون وغاضبون، مع شعور خليجى عاطفى بأن أشقاءهم، تركوهم دون غطاء فى مواجهة الاعتداءات الإيرانية؟، وإذا فتشنا فى هذا الغضب لا نجد له أى أسباب على أرض الواقع.
مفهوم الأمن القومى العربى نفسه تحول جذريًا فى الآونة الأخيرة، فبعد عقود من ارتكاز «عقيدة التهديد» على إسرائيل، تصدرت المشهد تحدياتٍ مُستجدة كالإرهاب، والنزاعات الأهلية، والتمدد الإقليمى لبعض القوى كإيران.
وهذا التعدد فى مصادر الخطر، أدى إلى تشتت الأولويات الوطنية للدول العربية، مما أعاق صياغة رؤية دفاعية مشتركة، بسبب تباين المخاطر، واختلاف العقائد العسكرية من دولة لأخرى، وبات مصطلح «الأمن القومى العربي»، يفتقر إلى مفهوم واقعى.
أما القيادة، فهى واحدة من أكثر القضايا حساسية، فاختيار دولة بعينها لقيادة قوة مشتركة قد يُفسَّر على أنه هيمنة سياسية، فى حين أن القيادة الجماعية غالبًا ما تعانى من البطء وعدم الحسم، وهذا يعكس غياب الثقة المُتبادلة.
كانت إسرائيل هى العدو عند توقيع اتفاقية الدفاع العربى المشترك عام ١٩٥٠، أما الآن فيعتبرها البعض «صديقة» لأنها لم تعتدِ عليهم مثل صدام، ولم تضربهم بالصواريخ مثل إيران، وقد يكون لهم بعض الحق فى تفسير موقف العراق وإيران، ولكن تغيب الرؤية فى اعتبار إسرائيل صديقًا.
والمراجعة الصادقة تقتضى رؤية الواقع وتحدياته الراهنة، وليس بشعارات الماضى، وأهمها: غياب الإرادة السياسية المشتركة، فهذه الاتفاقيات الدفاعية لا تعمل بذاتها، بل تعتمد على استعداد الدول لتحمل تكاليفها السياسية والعسكرية.
فحلف الناتو مثلًا يقوم على قيادة عسكرية مُوحدة، وعقيدة قتالية مشتركة، وآليات واضحة، بينما تفتقر الاتفاقية العربية إلى هذه العناصر، ولا يمكن بناء نظام عسكرى فعال دون تصور مشترك للعدو والمخاطر.
لا يعنى ذلك الوصول إلى حافة اليأس، ولكن الحد الآمن هو تفعيل حدود دنيا يجرى تطويرها وتعظيمها؛ وعلى الأقل تشكيل إدارة سياسية وعسكرية مشتركة، تكون مهمتها بناء عقل استراتيجى يفكر فى حماية المصالح العربية المشتركة.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







