صرخة الأمهات المعيلات.. من غرف التقاضي إلى جروبات «الماميز»

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


تجلس على باب المحكمة، تحتضن حقيبتها وصغارها، مترقبة نداء الحاجب، تلبيه وقلبها يسبق خطواتها، ليست بحثا عن براءة من تهمة جنائية، لكن عن ثمن علاج طفلها أو مصاريف تعليم أبناءها، عن حقوق ضاعت في ثغرات قانونية لم تتغير منذ عقود.

هي ليست حكاية واحدة، بل آلاف الحكايات بين أروقة محاكم الأسرة، قصص لأمهات قررن أن يرفعن صوتهن ويطالبن بحقوقهن وحقوق أطفالهن، بحثا عن حياة طبيعية لهم لا تضيع وسط الإجراءات.

ومن غرف المحاكم إلى جروبات «الماميز» السرية، تكتب يوميا قصص من الصبر والكفاح، لنساء وجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة أعباء الحياة، وصراع مع تشريعات وقفت عند القرن الماضي.

أمهات مصر المعيلات يطرحن رؤية للإصلاح: الأولوية لحماية الطفل وضمان تنفيذ الأحكام. 

وفي ضوء توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بسرعة الانتهاء من مشروع قانون الأحوال الشخصية وإحالته إلى مجلس النواب، تتزايد الدعوات المجتمعية المطالبة بإصدار تشريع متوازن يواكب التغيرات التي طرأت على بنية الأسرة المصرية خلال السنوات الأخيرة. 

وتعكس هذه الدعوات حالة من الحراك داخل المجتمع، كان من بينها ما طرحته «ن.أ»، عبر إحدى الجروبات الخاصة بالأمهات المعيلات على فيس بوك، حيث قدمت رؤية تفصيلية حول أبرز التحديات التي تواجه النساء والأطفال في ظل القانون الحالي. 

 

◄ تشريع قديم في مواجهة واقع جديد

 

تشير الطروحات التي نشرتها السيدة «ن.أ» على أحد الجروبات الخاصة بالأمهات المعيلات إلى أن قانون الأحوال الشخصية يستند إلى أطر تشريعية تعود إلى ما يقرب من قرن، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرته على التعامل مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة. 

وبحسب ما تم طرحه من قبل «ن.أ»، فإن التطبيق العملي أظهر، بطءًا في إجراءات التقاضي،  وثغرات تؤثر على تحقيق العدالة، وفجوة بين النص القانوني والواقع الفعلي للأسر، ومؤشرات رسمية تعكس حجم التحدي.

ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تسجل مصر ما يقرب من 274 ألف حالة طلاق سنويًا، بمتوسط يصل إلى نحو 750 حالة يوميًا، ما يعكس تصاعدًا ملحوظًا في النزاعات الأسرية، خاصة في المناطق الحضرية. 

كما تشير المؤشرات إلى، ارتفاع معدلات الطلاق مقارنة بالسنوات الماضية، وتراجع معدلات الزواج، وزيادة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الأسرة


 

◄ الأم المعيلة.. شريك أساسي في المعادلة

 

وتوضح التقديرات أن نحو 40% من الأسر المصرية تعولها امرأة، وهو ما يعكس تحولًا جوهريًا في دور المرأة داخل الأسرة، حيث لم تعد تقتصر على الرعاية، بل أصبحت مسؤولة بشكل مباشر عن الإعالة في كثير من الحالات.

 

◄ إشكاليات التنفيذ في قلب الأزمة

 

وتؤكد الرؤية المطروحة أن التحدي لا يكمن فقط في نصوص القانون، بل في آليات تطبيقه، حيث تظهر عدة إشكاليات، منها، ضعف تنفيذ الأحكام القضائية،و صعوبة إثبات الدخل الحقيقي في قضايا النفقة، والتهرب من الالتزامات القانونية، وتأثر الأطفال بالنزاعات الممتدة

وبحسب صحيفة الأخبار، أكدت د.عزة عثمان، أستاذ الإعلام بجامعة سوهاج، أن تناول قضية قانون الأحوال الشخصية لا ينبغى أن يقتصر على الجوانب القانونية أو الفقهية فقط، بل يجب النظر إليه أيضًا باعتباره قضية وعى مجتمعى تشكلها وسائل الإعلام بدرجة كبيرة، وأن الإعلام لعب خلال السنوات الماضية دورًا مزدوجًا؛ فبينما ساهم فى تسليط الضوء على مشكلات حقيقية تعانى منها المرأة بعد الطلاق، فإنه فى بعض الأحيان قدّم صورة أحادية للصراع داخل الأسرة، ما أدى إلى ترسيخ حالة من الاستقطاب بين الرجل والمرأة.

وترى أن المرحلة الحالية تتطلب خطابًا إعلاميًا أكثر توازنًا، يعكس حقيقة أن العلاقة داخل الأسرة قائمة على الشراكة لا الصراع، وأن أى قانون يجب أن يُفهم فى هذا الإطار.

وتشدد على أهمية تقديم نماذج إيجابية للأسرة المستقرة، إلى جانب مناقشة المشكلات، حتى لا يتحول الإعلام إلى أداة لتضخيم الأزمات.

وتشير إلى أن التناول الإعلامى الواعى يمكن أن يدعم توجهات الدولة فى تحقيق التوازن بين إنصاف المرأة والحفاظ على تماسك الأسرة، خاصة إذا استند إلى آراء العلماء والمتخصصين، وابتعد عن الإثارة، ليصبح شريكًا حقيقيا فى بناء وعى مجتمعى قادر على استيعاب أى تطوير تشريعى.

 

◄ أولويات مطروحة قبل التوسع التشريعي

 

فى هذا السياق يؤكد د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، أن الشريعة الإسلامية لم تكن يومًا عائقا أمام التطوير، بل وضعت إطارا مرنا يحقق العدل ويراعى تغير الأحوال، كما أن الأحكام المرتبطة بالأسرة تقوم على مقاصد عظيمة، فى مقدمتها حفظ النفس، وصيانة الكرامة، واستقرار المجتمع، مشيرًا إلى أن أى تعديل تشريعى يجب أن ينطلق من هذه المقاصد، لا من ردود أفعال آنية. حسب صحيفة الأخبار.

ويضيف أن القرآن الكريم وضع أساس العلاقة الزوجية على المودة والرحمة، فى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، وهو ما يعنى أن الأصل فى التشريع هو تحقيق السكن النفسي؛ لا تعميق الصراع،

وأرى أن الجدل الدائر حول بعض القضايا، مثل الطلاق الشفهى أو حق الاستضافة، يحتاج إلى اجتهاد منضبط، يوازن بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع، دون إخلال بالثوابت.

يضيف د. فودة السيد، إمام وخطيب مسجد الإمام الشافعى أن الخطاب الدينى المعاصر أصبح أكثر وعيًا بقضايا المرأة، وأكثر حرصًا على تصحيح المفاهيم المغلوطة التى رسخت عبر سنوات من الفهم غير الدقيق للنصوص.

 

◄ دعم أسس عادلة

 

ويشير إلى أن «الإسلام كفل للمرأة حقوقًا واضحة لا تقبل الانتقاص، سواء فى النفقة أو الحضانة أو الكرامة الإنسانية» مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، مؤكدًا أن هذه الآية تمثل قاعدة عامة تحكم كل تفاصيل العلاقة الزوجية.. ويضيف أن توجيهات القيادة السياسية بضرورة إصدار قانون متوازن تعكس إدراكًا عميقًا بأن استقرار المجتمع يبدأ من الأسرة، وأن حماية المرأة لا تعنى هدم كيان الأسرة، بل دعمه على أسس عادلة.

ويقول د. طاهر زيد ، مدير حركة حوار، بدار الإفتاء، إن «الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال» وهى قاعدة فقهية أصيلة تفتح الباب أمام تطوير القوانين بما يتناسب مع مستجدات العصر، وأن القضايا المطروحة اليوم، مثل تنظيم الرؤية أو توثيق الطلاق، لم تكن بنفس التعقيد فى الماضي، وهو ما يفرض ضرورة الاجتهاد الجماعي، الذى يجمع بين الفقهاء والقانونيين وعلماء الاجتماع..

ويشدد على أن الهدف ليس الانحياز لطرف على حساب آخر، بل تحقيق العدل الذى أمر به الإسلام، قائلًا: «إذا تحقق العدل، استقرت الأسرة، وإذا غاب، تحولت القوانين إلى مصدر للنزاع».

تأتي هذه الطروحات بالتوازي مع التحرك الحكومي المرتقب لإصدار قانون جديد، وسط تأكيدات على أهمية تحقيق التوازن بين حقوق جميع الأطراف، دون الإخلال بالمصلحة الفضلى للطفل. 

 

◄  حلول جذرية لمشاكل الأسرة المصرية

 

قال النائب فيصل أبو عريضة، عضو مجلس النواب عن حزب حماة الوطن، عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، أن توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي للحكومة بسرعة تقديم مشروعات القوانين المنظمة لشئون الأسرة إلى مجلس النواب، والتي تشمل قوانين الأحوال الشخصية، وذلك من أجل بناء مجتمع متماسك ومستقر، موضحا أنها خطوة في غاية الأهمية نحو إصلاح أهم الملفات المرتبط بالحياة اليومية للمواطنين.

وأوضح أبو عرضة، أن هذه الخطوة تمثل نقطة تحول هامة في مسار الإصلاح التشريعي لوضع حلولا جذرية ومستدامة لمشاكل الأسرة المصرية ومعالجة التحديات التي تواجهها عبر تشريعات تستند لدراسات وآراء من العلماء والمتخصصين بما يصون كيان الأسرة التي تمثل اللبنة الأساسية في بناء المجتمع المصري، ويضمن تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، مضيفا أن الإسراع في إقرار هذه القوانين يعزز الأمن المجتمعي والاستقرار الأسري ويحد من النزاعات التي تؤثر سلبا على تماسك المجتمع.

وأشار أبو عريضة، إلى أن إصدار تشريعات شاملة متكاملة للأسرة المسلمة والمسيحية وإنشاء صندوق دعم الأسرة، يسهم في حماية الأسرة المصرية وتعزيز تماسكها في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، مشيرا إلى أن هذه القوانين تضبط العلاقة بين أطراف الأسرة على أسس أكثر توازنا، لتحقيق عدالة بين الحقوق والواجبات، إضافة لوضع مصلحة الأطفال على رأس الأولويات، لأنهم الأكثر تأثرا بأي خلافات أسرية، إضافة إلى أن إنشاء صندوق دعم الأسرة يعد بعدا هامة في هذه الحزمة التشريعية لأنه يوفر شبكة أمان اجتماعي يضمن استقرار الأسرة في وقت الأزمات.

 

◄ تحقيق التوازن بين حقوق الرجل والمرأة

 

مع تسارع الخطوات نحو إصدار قانون الأحوال الشخصية الجديد، تتقاطع توجيهات القيادة السياسية مع مطالب مجتمعية متزايدة، في محاولة للوصول إلى صيغة تشريعية أكثر عدالة واستجابة للواقع. 

على الورق هي عائل لأسرتها، وفي الواقع هي المقاتل في معركة لا تنتهي، 40 % من بيوت مصر تفتح أبوابها بستر الله وجهد الأم، لكن خلف هذه الأبواب صراعات خفية مع أحكام لا تم تنفيذها، وأجور يصعب إثباتها. 

كما أكد النائب وحيد قرقر، رئيس لجنة النقل بمجلس النواب، أهمية توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة بـ سرعة تقديم مشروعات قوانين الأسرة (المسلمة، والمسيحية، وصندوق دعم الأسرة)، مشيرا إلي أنها تعكس إدراكاً عميقاً من القيادة السياسية لحجم المعاناة التي تعيشها آلاف الأسر المصرية نتيجة تأخر حسم هذه التشريعات الحيوية. 

كما أوضح النائب وليد خطاب، عضو مجلس النواب، أن مشروع القانون الجديد يجب أن يراعي تحقيق التوازن بين حقوق الرجل والمرأة، مع إعطاء الأولوية القصوى لمصلحة الطفل، باعتباره الطرف الأضعف في النزاعات الأسرية، لافتًا إلى أهمية إجراء حوار مجتمعي موسع حول مشروع القانون قبل إقراره، يضم مختلف فئات المجتمع من خبراء قانونيين ورجال دين ومؤسسات مجتمع مدني، وذلك لضمان خروج قانون يعبر عن توافق مجتمعي واسع ويحقق الأهداف المرجوة منه.

وفي باب حكايات على«بوابة أخبار اليوم» سنعرض قصص الأمهات، واحدة تلو الأخرى، قصص عن نساء واجهن الصعاب، ويطالبن بالعدالة من أجل صغارهن، ويبقى الهدف الأسمى: حماية الأسرة المصرية، وضمان مستقبل أكثر استقرارًا للأبناء.