الطاقة فى مهب الحرب| فواتير مرتفعة ومستقبل بيئى غامض

العودة إلى الفحم
العودة إلى الفحم


جيهان أبو الحديد
 

بعد سنوات من اتجاه العالم نحو الطاقة النظيفة، جاءت حرب إيران لتقلب المعادلة رأسًا على عقب لتكشف بذلك هشاشة نظام الطاقة العالمى واعتماده على مناطق مضطربة جيوسياسيًا. فمع تصاعد الهجمات فى الخليج وتعطل إمدادات النفط والغاز، ارتفعت الأسعار واندفعت الدول فى سباق محموم لتأمين احتياجاتها من الطاقة بأى وسيلة.

اقرأ أيضًا| القاهرة تتجه للطاقة النظيفة.. صيانة المحطات الشمسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي

وفى الوقت الذى يرى فيه البعض الأزمة فرصة لتسريع التحول نحو مصادر نظيفة، تكشف التطورات عن واقع أكثر تعقيدًا، حيث تعود مصادر ملوثة مثل «الفحم» إلى الواجهة بقوة، ما يضع العالم أمام مفترق طرق حاسم بين الاستدامة وأمن الطاقة.

ووفقًا لصحيفتى «نيويورك تايمز» و»فاينانشال تايمز»، كانت قارة آسيا من أكثر المناطق تأثرًا بالأزمة نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات النفط والغاز. فقد ارتفعت الأسعار بشكل حاد، واضطرت دول مثل تايلاند إلى تشغيل محطات الفحم بكامل طاقتها لتعويض نقص الغاز، بينما ناقشت تايوان إعادة تشغيل محطات متوقفة.

كما لجأت دول أخرى إلى زيادة استيراد الفحم والغاز المسال، فى محاولة لتأمين الإمدادات وسط اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما يعكس تحولًا مؤقتًا نحو الوقود الأحفورى رغم التوجه العالمى نحو الطاقة النظيفة.

اقرأ أيضًا| محطة الضبعة النووية.. مصر تدخل عصر الطاقة النظيفة بقوة| حوار

وفى إفريقيا، كشفت مجلة «ريالنيوز» عن تطورات قطاع الفحم فى القارة السمراء فى ظل الارتفاع المتزايد فى الطلب العالمى على الطاقة.

وأشارت المجلة إلى أن هذه الظروف خلقت فرصًا جديدة للدول الإفريقية لتعزيز دورها فى سوق الطاقة العالمى، خاصة فى قطاع الفحم. وتستعد دول مثل جنوب إفريقيا وموزمبيق وزيمبابوى للاستفادة من هذا الطلب المتزايد عبر زيادة الإنتاج وتوسيع البنية التحتية للتصدير، بما فى ذلك تطوير السكك الحديدية والموانئ.

كما تسعى جنوب إفريقيا لرفع قدرتها التصديرية بشكل كبير، بينما تعمل موزمبيق على زيادة إنتاج الفحم بنسبة تصل إلى 15%، ما يجعل القارة لاعبًا مهمًا فى سوق الطاقة المتقلبة. كما حققت زيمبابوى نموًا كبيرًا فى صادرات الفحم. وتسعى بوتسوانا إلى تنويع قطاع التعدين بعيدًا عن الماس من خلال التوسع فى إنتاج الفحم.

لكن هذا التوجه يضع إفريقيا فى معادلة معقدة، فبينما يوفر الفحم عوائد اقتصادية وفرصًا استثمارية، فإنه يتعارض مع أهداف التحول الأخضر العالمى، ما يعيد الجدل حول التنمية مقابل الاستدامة.

وفى أمريكا اللاتينية، رغم أنها ليست فى قلب الصراع، كشف تقرير لـ»فورين بوليسى» أن أسعار الطاقة فى بيرو أصبحت قضية رئيسية فى الحملات الانتخابية، مع وعود متباينة بين دعم الوقود أو ضبط الأسعار حكوميًا. أما فى البرازيل، فقد حاولت الحكومة امتصاص الصدمة عبر دعم الديزل، لكنها واجهت تراجعًا فى شعبيتها مع استمرار ارتفاع الأسعار. ورغم الأزمة، بدأت بعض الدول فى أمريكا اللاتينية التفكير فى تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على النفط المستورد. 

وفى أوروبا، ارتفعت أسعار الغاز بشكل كبير، ما دفع الدول إلى استيراد كميات أكبر من الغاز الطبيعى المسال من الولايات المتحدة، حتى على حساب دول أقل قدرة مثل باكستان وبنجلاديش. لكن الأزمة لا تقتصر على الإجراءات العاجلة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل استراتيجيات الطاقة على المدى الطويل. فبعض الدول قد تسعى إلى تقليل اعتمادها على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، وهو ما قد يعزز دور الولايات المتحدة كمصدر رئيسى للغاز الطبيعى المسال. وفى الوقت نفسه، قد تتجه دول أخرى إلى استغلال مواردها المحلية، خاصة الفحم، الذى رغم كونه الأكثر تلويثًا، يوفر حلًا سريعًا ورخيصًا لتحقيق أمن الطاقة.

فى المقابل، يرى خبراء أن الأزمة قد تمثل فرصة لتعزيز الاستثمار فى الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية، التى لا تعتمد على الوقود وتوفر استقرارًا أكبر على المدى الطويل. وقد شهدت هذه القطاعات بالفعل نموًا كبيرًا فى السنوات الأخيرة، مع استثمارات تجاوزت مئات المليارات عالميًا إلا أن هذا التحول يواجه تحديات، منها ارتفاع تكلفة التمويل نتيجة التضخم، إضافة إلى مشكلات تتعلق بالبنية التحتية والتنظيم.

كما تبرز الطاقة النووية كخيار بديل، خاصة فى دول مثل اليابان التى بدأت إعادة تشغيل محطاتها النووية لتقليل الاعتماد على الغاز. ومع ذلك، يبقى تأثير هذه التحولات على الانبعاثات غير واضح، حيث قد يؤدى الجمع بين التوسع فى الطاقة النظيفة والعودة إلى الفحم إلى نتائج متناقضة.