طالعت قبل أيام الحكم الأخير لمحكمة النقض والذى يخص السوق العقارى فى مصر، وأخيرًا لم يعد المواطن الطرف الأضعف فى معادلة ظلت مختلة لسنوات طويلة، فالحكم لم يكن مجرد تفسير قانونى جديد كما يعتقد البعض لكن من وجهة نظرى يمثل تحولًا عميقًا فى فلسفة التعامل مع العلاقة بين المشترى والمطور العقاري، ويضع حدًا لمرحلة من المعاناة كان فيها الإخلال بالتعاقد يقابل فى العادة بإجراءات مدنية بطيئة لا تحقق الردع الكافى..
فالتحول الأهم يتمثل فى اعتبار الوحدة العقارية «سلعة» وفق قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 ، وهو توصيف يغير قواعد اللعبة بالكامل، حيث أصبح المطور العقارى حكم «المورد» الخاضع لرقابة قانونية شديدة وفق القانون الجديد بينما أصبح المشترى «مستهلكًا» يتمتع بحماية قانونية كبيرة تفتح أمامه مسارات جديدة للمساءلة الجنائية ولم تقتصر على المسألة المدنية فقط فى حالات الخداع أو التضليل.
وهذا التطور القانونى يأتى فى توقيت بالغ الأهمية حيث تفاقمت فى السنوات الأخيرة معاناة المواطنين مع عدد من شركات التطوير العقارى التى انتهجت ممارسات أضرت بثقة السوق ولم تقتصر هذه المعاناة على المواطنين فقط لكنها شملت أيضًا المستثمرين من العرب والخليجيين.. وكثير من المشترين وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف تمامًا عما تم التعاقد عليه سواء من حيث المساحات أو جودة التشطيب أو مستوى الخدمات وأمتد أحيانًا إلى تغييرات جوهرية فى المشروع دون علم أو موافقة العملاء..
الأزمة هنا لا تتوقف عند حدود اختلاف المواصفات بل أمتدت إلى ظاهرة المماطلة فى التسليم التى تحولت إلى أزمة مزمنة ، من حيث مشاريع تتأخر لسنوات دون مبررات واضحة فى الوقت الذى يستمر فيه المطور فى تحصيل الأقساط والعجيب فى الأمر المطالبة أحيانا بمبالغ إضافية تحت مسميات مختلفة» ما أنزل الله بها من سلطان» دون أن يكون لذلك سند تعاقدى واضح..
وللأسف الشديد هذا السلوك خلق حالة من الغضب والإحباط لدى شريحة واسعة من المواطنين والمستثمرين العرب الذين استثمروا مدخراتهم فى وحدات لم تُسلم أو لم تنفذ بالشكل المتفق عليه ، ناهيك عن كل ذلك تأثير هذا الوضع المذرى على الأمن القومى للدولة المصرية من فقدان الثقة فى الاستثمارات العقارية والبحث عن بديل آخر بدول أخرى ..
وما يميز المرحلة الحالية هو أن هذه الممارسات لم تعد تمر دون حساب حقيقى فبموجب التفسير القضائى الجديد يمكن اعتبار الإعلان المضلل أو تقديم بيانات غير دقيقة أو إجراء تغييرات جوهرية دون إخطار العميل نوعًا من «السلوك الخادع» الذى يندرج تحت طائلة المسؤولية الجنائية، وهو ما يعنى أن المطور المخالف لم يعد يواجه خطر التعويض فقط بل أصبح يواجه غرامات مالية كبيرة وربما عقوبات سالبة للحرية فضلاً عن التشهير بنشر الأحكام على نفقته.
ورغم أهمية هذا التطور فإن الواقع يفرض ضرورة استكمال هذه الخطوة بإجراءات أكثر حسمًا على مستوى التنظيم والرقابة، فالسوق لا يزال بحاجة إلى آليات تضمن ربط تحصيل الأموال بمعدلات التنفيذ الفعلية وتمنع استخدام أموال العملاء فى تمويل مشروعات أخرى دون ضمانات كافية، كما أن غياب الشفافية بشأن سجل المطورين وتاريخهم فى الالتزام أو التعثر يترك المواطن عرضة لتكرار نفس التجارب المؤلمة.. ما يحدث الآن هو إعادة تعريف حقيقية لفكرة «الاستثمار العقاري» فى مصر ولم يعد شراء وحدة مجرد صفقة مالية خالصة إنما توسع المفاهيم ليكون علاقة قانونية متكاملة تحكمها قواعد صارمة تضمن للمواطن حقه وتلزم المطور بواجباته، وبينما يرحب السوق الجاد بهذه القواعد الجديدة فإنها تمثل فى الوقت ذاته إنذارًا واضحًا وصريحًا لكل من اعتاد العمل خارج إطار الالتزام.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







