ناتو أوروبي.. القارة العجوز تستعد للفطام عن سيطرة ترامب

صورة موضوعية
صورة موضوعية


كتبت – مي فرج الله 

بدأت عدد من دول الاتحاد الأوروبي في دراسة خطط دفاعية بديلة، من بينها مقترح لتشكيل “ناتو أوروبي” تحسّبًا لأي تغيّر محتمل في التزام الولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي. وتأتي هذه التحركات وسط توترات متزايدة بين الجانبين، في ظل تقارير عن استياء داخل الإدارة الأمريكية من تباين مواقف بعض الدول الأوروبية تجاه الانخراط ككتلة عسكرية موحدة في العمليات الجارية في المنطقة، لا سيما تلك المتعلقة بإيران منذ 28 فبراير 2026.

وبحسب ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال، يتمثل الهدف في وجود ضباط أوروبيين في مناصب القيادة والسيطرة، قادرين على تولي زمام الأمور في حال قررت الولايات المتحدة الانسحاب من الحلف.

وأكدت الصحيفة أنه رغم المعارضة الشديدة التي واجهتها الفكرة من قبل الأعضاء الرئيسيين في حلف الناتو حتى الآن، فإنها بدأت تكتسب زخمًا متزايدًا بعد أن أبدت ألمانيا دعمها لها خلال الأشهر الأخيرة. ولا يهدف هذا المخطط إلى منافسة الحلف، بل إلى تزويد أوروبا بالأدوات اللازمة لتعزيز قدراتها الدفاعية والحفاظ على الردع النووي والتماسك العسكري، في حال قررت الولايات المتحدة الانسحاب من الناتو.

والجدير بالذكر أن هذا المخطط كان قد طُرح قبل نحو عام، خلال ذروة التوترات بين الدول الأوروبية وإدارة ترامب، قبل أن يعود إلى الواجهة لاحقًا. وقد اكتسب زخمًا إضافيًا عقب مطالبات ترامب بالحصول على غرينلاند من الدنمارك، ثم تحول إلى مشروع أكثر جدية بعد تصريحاته الأخيرة بشأن تقاعس بعض دول الناتو عن دعم العمليات المرتبطة بالنزاع مع إيران.

الناتو يدرس تقليل اعتماده على الضباط الأمريكيين

وفي هذا السياق، صرّح الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، مؤخرًا بأن الحلف يسعى إلى تقليل اعتماده على الضباط الأمريكيين، وتعزيز الطابع الأوروبي في قيادته، ليصبح أكثر “قيادة أوروبية”. ومن جهته، قال ترامب إن الجيش الأمريكي سيعمل مع دول أخرى لإغلاق جميع الملاحة البحرية في أحد الممرات المائية، وذلك بعد فشل محادثات نهاية الأسبوع في التوصل إلى اتفاق لإنهاء النزاع المستمر منذ ستة أسابيع مع إيران.

تاريخ طويل من معارضة أوروبا للولايات المتحدة

ورغم أن هذه الأزمة تُوصف بأنها الأخطر حتى الآن، إلا أنها ليست المرة الأولى التي تعارض فيها حكومات أوروبية علنًا عمليات عسكرية تقودها الولايات المتحدة. فقد انتقدت فرنسا وألمانيا بشدة غزو العراق عام 2003، كما قيدت بعض الدول الأوروبية استخدام أراضيها خلال عمليات عسكرية سابقة، مثل التدخل في ليبيا عام 1986. وغير أن تلك الخلافات جرت في سياق استراتيجي مختلف تمامًا؛ إذ لم تكن روسيا في أوائل الألفية، ولا الاتحاد السوفيتي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، يُمثلان تهديدًا مباشرًا لحلف الناتو كما تفعل روسيا اليوم بقيادة الرئيس الروسي  فلاديمير بوتين ، كما لم تكن واشنطن في ذلك الوقت تُشكك علنًا في تماسك الحلف أو مصداقيته.

وبالتالي، باتت بعض الحكومات الأوروبية أكثر جرأة في التعبير عن خلافاتها مع الولايات المتحدة، مدفوعةً بتغير أولويات الأمن الإقليمي، وعدم اعتمادها بشكل مطلق على استمرار الردع الأمريكي تجاه موسكو. وعليه، فإن أزمة اليوم لا تبدو مجرد خلاف سياسي عابر داخل المعسكر الغربي، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية منظومة الردع الخاصة بحلف الناتو أمام روسيا.