كتبت: مي فرج الله
وسط ترقب دولي واسع للجولة الثانية المرتقبة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد انتهاء الجولة الأولى دون تحقيق تقدم يُذكر، يرى باتريك وينتور، محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة الجارديان البريطانية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى إبرام اتفاق يتفوق على اتفاق أوباما، رغم ما يواجهه من تحديات معقدة.
وفي الوقت نفسه، يجد نفسه مطالبًا بتبرير التكاليف الباهظة للحرب، بينما تقف إيران أمام معادلة صعبة بين تحقيق مكاسب سريعة أو تبني نهج طويل الأمد.
وفي هذا السياق، كشف ترامب في تصريحات لصحيفة “واشنطن بوست” أن محادثات إضافية بين الجانبين قد تُعقد خلال اليومين المقبلين في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، مشيرًا إلى أن المفاوضات لا تزال مستمرة لكنها “تسير ببطء”. وأضاف، في مقابلة هاتفية، أن جولة ثانية من المحادثات المباشرة لإنهاء الحرب المستمرة منذ سبعة أسابيع قد تُعقد على الأرجح في إحدى العواصم الأوروبية، ما يعكس استمرار الحراك الدبلوماسي رغم تعثر التقدم حتى الآن.
وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى أي اتفاق جديد باعتباره أفضل من اتفاق عام 2015 من وجهة نظر ترامب، لكونه لن يتضمن بنودًا تحدد تاريخ انتهاء الصلاحية، وهي من أبرز نقاط انتقاده للاتفاق السابق. ورغم أن الاتفاق المرتقب قد يتضمن جداول زمنية لتفعيل بعض الإجراءات، فإنه في مجمله يُصاغ ليكون ذا طابع طويل الأمد.
وأضاف المحلل أنه في حال استئناف المحادثات بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام القليلة المقبلة في إسلام آباد، سيكون على ترامب تجاوز عقبتين سياسيتين رئيسيتين: الأولى، إثبات أن أي اتفاق جديد سيكون أفضل من الاتفاق الذي وقعه باراك أوباما عام 2015 وانسحب منه عام 2018؛ والثانية، إثبات أن الاتفاق الجديد أكثر فائدة من ذلك الذي طُرح في جنيف خلال فبراير الماضي قبل اندلاع الحرب. وإلا، فسيكون قد ألحق ضررًا كبيراً بالاقتصاد العالمي رغم وجود بدائل أقل تكلفة من حيث الخسائر البشرية والمادية ، كذلك، سيتعين عليه إثبات أن إيران لم تحقق أي مكسب دائم من سيطرتها على الملاحة في مضيق هرمز.
مقارنة بين خطة ترامب وأوباما مع إيران
يشير وينتور إلى صعوبة إجراء مقارنة دقيقة بين خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، التي جاءت في سياق سياسي وزمني مختلف، وأي اتفاق محتمل حاليًا في إسلام آباد، وذلك في ظل التحولات الكبيرة التي طرأت على البرنامج النووي الإيراني ، كما أن قضايا أخرى، مثل برنامج الصواريخ الباليستية وإدارة مضيق هرمز، باتت تحظى بأهمية أكبر مما كانت عليه في ذلك الوقت.
تقاصيل خطة ترامب
وتتمثل أبرز النقاط التي يسعى فريق ترامب لإحراز تقدم فيها في عدد من الملفات الرئيسية، على رأسها قضية تخصيب اليورانيوم داخل إيران. ففي محادثات جنيف التي عُقدت في 26 فبراير، توصّل الطرفان مبدئيًا إلى طرح يقضي بتعليق إيران جميع عمليات التخصيب المحلية لمدة عشر سنوات، في حين أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أن ثلاث سنوات تمثل الحد الأقصى الذي يمكن أن تقبله طهران. ومع انتقال المحادثات إلى إسلام آباد، رفعت الولايات المتحدة سقف مطالبها إلى عشرين عامًا، بل وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك بتفضيله فرض حظر دائم على التخصيب. ومع ذلك، يبقى من غير الواضح عمليًا المدة التي قد تحتاجها إيران لاستئناف هذه العمليات، خاصة في ظل الأضرار التي طالت منشآتها.وبالعودة إلى اتفاق عام 2015، فقد سُمح لإيران بمواصلة التخصيب لمدة 15 عامًا، ولكن بنسبة لا تتجاوز 3.67%، وهي النسبة المخصصة للاستخدامات السلمية، دون إقرار صريح بحقها في التخصيب.
أما الملف الثاني، فيتعلق بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب. إذ حدد اتفاق 2015 سقف هذا المخزون عند 300 كيلوغرام بنسبة تخصيب 3.65%. أما حاليًا، فتشير التقديرات إلى امتلاك إيران نحو 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة يمكن رفعها بسرعة إلى 90% اللازمة لصناعة سلاح نووي ويتم تخزين هذا اليورانيوم في صورة غاز داخل أسطوانات صغيرة، فيما تؤكد طهران أنها بدأت في زيادته منذ يوليو 2019 ردًا على عدم تنفيذ تعهدات رفع العقوبات.
وخلال محادثات جنيف، طرحت إيران خيار خفض نسبة التخصيب إلى 3.67% وهي خطوة تُعد غير قابلة للعكس أو تصدير الكميات الزائدة، على غرار ما نص عليه اتفاق 2015. لكن في إسلام آباد، طالبت الولايات المتحدة بإخراج كامل المخزون من إيران، ويفضل أن يتم ذلك تحت إشرافها المباشر، رغم أن أسباب رفضها خيار خفض التخصيب داخل إيران تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تزال غير واضحة بشكل كامل.
عرض إيران لأمريكا
وفي سياق خطوات بناء الثقة، طرحت إيران عرضًا إضافيًا يتمثل في عدم تكوين مخزون من اليورانيوم مستقبلًا، بحيث يقتصر التخصيب على تلبية الاحتياجات الفعلية فقط، وهو ما قد يُمثل ورقة تفاوضية يمكن لترامب استثمارها.
وأما المحور الثالث، فيتعلق بتخفيف العقوبات ، فقد نص اتفاق عام 2015 على الإفراج عن نحو 100 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب رفع القيود المفروضة على تجارة النفط، مع الإبقاء على عقوبات مرتبطة بالإرهاب وحقوق الإنسان. وفي محادثات جنيف، طُرح مقترح يقضي برفع أكثر من 80% من العقوبات، مع استمرار القيود المتعلقة بحقوق الإنسان.
والجدير بالذمر أنه ، تواجه إدارة ترامب ضغوطًا وقيودًا سياسية داخلية، إذ سبق أن انتقدت شخصيات بارزة، من بينها ماركو روبيو، اتفاق أوباما، معتبرة أن إيران قد توظف عائدات رفع العقوبات لتعزيز قدراتها العسكرية. ولذلك يسعى ترامب إلى فرض قيود على أوجه إنفاق هذه الأموال، وهو ما ترفضه طهران التي تطالب بضمانات واضحة ودائمة لرفع العقوبات، بما يعكس عمق أزمة انعدام الثقة بين الجانبين.
وأما القضية الرابعة، فتتمثل في الملفات غير النووية، مثل برنامج الصواريخ الباليستية، ودعم الجماعات الحليفة، فضلًا عن مستقبل مضيق هرمز. فقد وجّه ترامب انتقادات لاتفاق 2015 لاقتصاره على الملف النووي دون التطرق إلى السلوك الإقليمي الأوسع لإيران. وهنا يبرز تساؤل محوري: هل سيتم تأجيل هذه القضايا، أم إدراجها ضمن اتفاق شامل؟
في المقابل، تبدو الساحة الداخلية الإيرانية منقسمة بشأن كيفية التعامل مع الحصار الأمريكي المفروض على موانئها، وما إذا كان ينبغي اعتباره خرقًا لوقف إطلاق النار يستدعي إنهاءه قبل استئناف المفاوضات.
وفي ختام تحليله، يشير وينتور إلى أن الطريق نحو التوصل إلى تسوية لا يزال معقدًا، إذ يتوقف على قدرة ترامب على تقديم اتفاق يتفوق على إرث أوباما، وفي الوقت ذاته على مدى استعداد إيران لتبني نهج الصبر الاستراتيجي وتأجيل المكاسب الآنية لصالح أهداف بعيدة المدى.

وزير الدفاع الإسرائيلي يُشيد باتفاق لبنان.. وبن جفير يهاجمه
ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى 3526 شهيدًا
مجتبى خامنئي: إيران لن تتراجع عن موقفها تجاه إسرائيل







