فى ذكراها الـ 68 «إحسان» يرسم صورة لصلابة وعناد والدته

روزاليوسف تتوسط إحسان عبد القدوس وابنتها آمال طليمات
روزاليوسف تتوسط إحسان عبد القدوس وابنتها آمال طليمات


فى العاشر من أبريل 1958 رحلت نجمة المسرح « روزاليوسف « التى حملت لقب « سارة برنار الشرق» ، وهى أول رائدة فى عالم الصحافة عندما أسست مجلة تحمل اسمها، فكانت المرة الأولى والأخيرة التى تظهر فيها مجلة تحمل اسم صاحبتها، وتشارك « كنوز « فى إحياء ذكراها ال 68 بالسطور الرائعة التى خطها ابنها الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس لمقدمة مذكراتها والتى يسجل فيها ما لا يعرفه أحد عن شخصيتها وصلابتها وعنادها، فيقول : 
- « والدتى السيدة فاطمة اليوسف لم تحدثنا عن المشكلة الكبرى التى استطاعت أن تحلها وحدها، كيف استطاعت أن تجمع بين جهادها الشاق المضنى الذى بدأته فى السابعة من عمرها، وبين واجبها كزوجة وأم، كيف استطاعت أن تحملنى تسعة شهور وهى واقفة على خشبة المسرح تعتصر الفن من دمها وأعصابها لتكون يومها أعظم ممثلة فى الشرق، وكيف استطاعت أن تطرد عنى الموت الذى طاف بى مرات خلال طفولتى وصباى، فى حين أنها كانت دائماً بعيدة عنى تسعى فى طريق مجدها، ولا أدرى كيف استطاعت أن تنشئنى هذه النشأة، وتغرس فىّ هذه المبادئ وهذا العناد، وتقودنى كطفل وكشاب فى مدارج النجاح، فى حين أننى لم ألتقِ بها أبداً إلا وفى رأسها مشروع وبين يديها عمل.
لم تكن غنية يوم ولدتنى ويوم نشأت فى رعايتها، ولا كان أبى غنياً، فلم يكن لنا قدرة على استئجار مربية لتعهد بى إليها، هى التى صنعتنى بيديها، أرضعتنى، وأعدت طعامى، وبدلت ثيابى، وقامت على مرضى، وعلمتنى كيف أخطو، وكيف أنطق، صنعتنى بيديها كما صنعت مجدها، وهى وحدها صاحبة الفضل فيه، وليس لأحد فضل عليها، فهى التى التقطت دروس الفن وجعلت من نفسها «سارة برنارد الشرق» كما أطلق عليها نقاد ذلك الجيل.
دخلت ميدان الصحافة وفى يديها خمسة جنيهات وأنشأت مجلة بالاسم الذى اشتهرت به على المسرح، واستطاعت أن تجعلها من أقوى المجلات نفوذاً فى الشرق، تضم أبرع وأمهر وأشهر الكتّاب، وأنضج الآراء، وهى التى لقنت نفسها أصول الوطنية والمبادئ السياسية واستطاعت أن تملى أدق الآراء، وأن تتنبأ أصدق التنبؤات، وفى تاريخ «روزاليوسف» الطويل لم يسقط رأى من آرائها، السيدة التى لا تحمل شهادة مدرسية ولا مؤهلاً علمياً أخرجت جيلاً كاملاً من الكتّاب السياسيين والصحفيين، انتقتهم، ووجهتهم، وأرشدت أقلامهم، وبثت الروح فيهم، وهى .. السيدة اليتيمة التى واجهت مسئوليات الحياة وهى فى السابعة من عمرها، استطاعت يوماً أن تتحدى كل سلطات الدولة، الإنجليز والملك والأحزاب، وتآلبوا جميعاً عليها لهدمها والقضاء على الصفحات الثائرة التى تحمل اسمها، ولم يستطيعوا إلا أن يجعلوها فقيرة أحياناً، وأن يسجنوها حيناً، وأن يصادروها عشرات المرات، وأن يحاكموها مئات المرات، وظلت الصفحات الثائرة تصدر وبانتظام ولم يستطع أحد منهم أن يقضى عليها، ولم يستطع أحد منهم أن يحنى هذا الرأس العنيد القوى، ولم يستطع أحد منهم أن يكون أقوى من هذه السيدة الوحيدة اليتيمة!
لا أدرى كيف حدث هذا، وكنت أحياناً أضع نفسى بعيداً عنها وأجرد نفسى من عاطفتى نحوها، وأحاول أن أدرسها كما يدرسها أى غريب عنها، علنى أجد مفتاحاً لشخصيتها، وعلّى أخرج من دراستى بقاعدة عامة لحياتها أطبقها على بنات جنسها، لكنى كنت أخرج دائماً بمجموعة من المتناقضات لا يمكن أن تجتمع فى إنسان واحد، فهى هادئة رقيقة، يحمر وجهها خجلاً إذا ما سمعت كلمة ثناء، ويكاد صوتها الناعم الخفيض الرفيع المنغم يشبه صوت فتاة فى الرابعة عشرة، تفضل العزلة ولها دنيا خاصة تعيش فيها، وليس لها كثير من الأصدقاء، وأغلب من يعرفونها لا تعرفهم، تكره المجتمعات وتكره أن تقيم فى بيتها حفلاً أو مأدبة، وفى بعدها عن الناس يفوتها كثير من المجاملات حتى التى يتطلبها العمل، تحمل قلباً طيباً ينشر الحب والسلام، صاحبة يد سخية تعطى باستمرار وتأبى أن تأخذ نظير ما تعطى، وهذا وجه من أوجه شخصيتها، وجه تراه فى بيتها، وهى واقفة فى المطبخ تعد طبق ورق العنب، كزوجة مثالية ثم تدور بين الغرف ترتب قطع الأثاث، أو تنمق أوانى الزهر، أو تراه فى مكتبها وكل شىء هادئ من حولها والعمل يسير فى نظامه الرتيب، وفجأة يتغير هذا الوجه، فإذا به أعنف من العاصفة، وإذا بهذا الصوت الرفيع يرتفع ليزلزل مكاتب المحررين وعنابر المطبعة، قوية إلى حد القسوة، جريئة إلى حد التهور، لا تخفى رأياً صريحاً ولا تصون مصلحة من مصالحها، جريئة إلى حد أن تقول لكريم ثابت عندما جاءها يبلغها تهنئة الملك فاروق بمرور عام على مجلتها : « قل لمولاك إنى أرفض تهنئته «، وجريئة إلى حد أن تقول للسياسى إبراهيم عبد الهادى وهو فى سطوة نفوذه : «يا إبراهيم استقل»، وجريئة إلى حد أن تتحدى وحدها مظاهرة ضخمة أطلقها الوفد عليها ليحطم دارها.
وإذا بها مختلطة بالناس إلى حد أن تتردد على دور الأحزاب وتشترك فى الاجتماعات السياسية، وتدعو الزعماء إلى بيتها، وإذا بها قاسية إلى حد أن تطردنى من العمل أو تستغنى عن خدمات محرر آخر، ربما لم يمضِ على منحه مكافأة أسبوع واحد، وبخيلة إلى حد أن ترفض قرضاً لعامل قد تكون وهبته بالأمس إعانة من جيبها الخاص، وتبحث كل هذه المتناقضات.. فإذا بها كانت محقة فى هدوئها، وكانت محقة فى ثورتها، وكانت محقة فى طيبتها وكانت محقة فى قسوتها، وكانت محقة فى كرمها وكانت محقة فى بخلها، ولكن ما هى الشخصية الواحدة التى تملى عليها كل هذه التصرفات، هل يكفى أن نقول إنها ذكية ؟، هل يكفى أن نقول إنها قوية ؟ هل يكفى أن نقول إنها صادقة الإحساس، أنا نفسى لا أدرى !
هى أم حنون، عاطفتها تغلبها أحياناً فتقبلنى أمام زملائى المحررين، وأذوب خجلاً منهم ! وتفرح باليوم الذى أقضيه فى بيتها كأنها أم ريفية تستقبل ولدها بعد غياب، وتُشعرنى بأنها ابنتى أكثر منها أمى فأضمها بين ذراعىّ وأسند رأسها على صدرى وأربت عليها وأغمر جبينها الطاهر بقبلاتى كأنها طفلة تحتمى بى، ويبلغ من حنانها، أنها - قبل أن أشترك معها فى العمل - كانت تخفى عنى كل ما يصيبها من نكبات، وحدث أن خسرت كل ما تملك نتيجة حملة اضطهاد سلطتها عليها حكومة الوفد، فلم تستطع أن تدفع رواتب الخدم والسائق، فتركوها جميعاً وكل منهم يترك دموعه فوق يدها وهو يُقبلها، واستخلصت القليل مما بقى لتضمن للمجلة استمرار ظهورها، ومرت أيام لم تجد فيها ثمن الطعام، وكنت وقتها أقيم مع أبى، وأتردد عليها كل أسبوع فتعطينى عشرة قروش للذهاب للسينما فى ظل هذه الظروف القاسية التى تمر بها، وهى فى حاجة إلى خمسة منها لتأكل بها، واضطرت لبيع سيارتها وكانت تسير كل صباح من بيتها فى الزيتون إلى سراى القبة لتركب الأتوبيس الذى يوصلها إلى مكتبها، وتقول: إن الطبيب أوصاها بالسير للحفاظ على صحتها ! لكى لا أشاركها همَّها، كل هذا الحنان الذى لا تستطيعه كل أم، كان يقابله قسوة لا أعتقد أيضاً أن كل أم تستطيع أن تقسو بها على ابنها، فقد طردتنى مرة من العمل وأنا متزوج وعندى أولاد، وظلت عاماً لا تتجاهلنى ولا تخاطبنى، أمد يدىّ لأقبل يدها فترفضها، وأعترف بأن هذه القسوة كانت من الأحجار القوية فى بنائى، لكن كيف نستطيع أن نجمع بين هذه المتناقضات فى شخصية واحدة ؟ ولا أستطيع أبداً إلا أن أقول: « أمى صنعت منّى هذا الرجل « !
إحسان عبد القدوس 
من مقدمة «ذكريات» - ديسمبر 1953