لم يعد الاستهلاك المرتفع للمشروبات المُحلاة بالسكر فى مصر مجرد قضية صحية محلية، بل تحول إلى ملف يحظى باهتمام دولى متزايد، هذا ما تكشفه دراسة حديثة شارك فى إعدادها باحثون من كندا وأستراليا، إلى جانب خبراء من قسم الصحة والتغذية والسكان بمجموعة البنك الدولى بواشنطن، فى محاولة لفهم حجم المشكلة واقتراح حلول عملية يمكن أن تغير مسار الصحة العامة.
هذا الاهتمام الدولى لم يأتِ من فراغ، فمصر، كغيرها من الدول ذات الدخل المتوسط، تشهد تصاعدًا لافتًا فى معدلات السمنة والأمراض غير المُعدية، مثل السكرى وأمراض القلب والسرطان، والتى تمثل نحو 84٪ من إجمالى الوفيات بالبلاد.
ويُعد الاستهلاك المرتفع للمشروبات السكرية أحد أبرز المحركات لهذه الأزمة، خاصة مع انتشارها الواسع بين فئات الشباب والأطفال، وارتباطها المباشر بزيادة الوزن، واضطرابات التمثيل الغذائى، وتسوس الأسنان.
وتشمل هذه المشروبات طيفًا واسعًا من المنتجات اليومية، مثل المشروبات الغازية والعصائر المُحلاة ومشروبات الطاقة والشاى والقهوة الجاهزة، بل وحتى بعض العصائر الطبيعية التى تحتوى على نسب مرتفعة من السكريات الحرة، ومع هذا الانتشار، لم يعد التأثير مقتصرًا على الصحة الفردية، بل امتد ليشكل عبئًا اقتصاديًا متزايدًا على النظام الصحى.
دعم دولى
فى هذا السياق، اعتمد فريق البحث فى دراسته المنشورة بدورية «بابليك هيلث إن براكتِس» (Public Health in Practice)، على نموذج متقدم يجمع بين علم الأوبئة والاقتصاد الصحى، يُعرف بنموذج «الجداول الحياتية متعددة الحالات»، لتقدير التأثيرات طويلة المدى لأى تدخل سياسى محتمل، وقد استند النموذج إلى بيانات مصرية ودولية، مع تقسيم السكان حسب العمر والنوع، ومتابعتهم افتراضيًا حتى نهاية حياتهم، لرصد تطور المؤشرات الصحية والاقتصادية.. وتم اختبار سيناريو فرض ضريبة تؤدى إلى زيادة أسعار المشروبات السكرية بنسبة 20٪، وهو المستوى الذى توصى به منظمة الصحة العالمية لتحقيق تأثير صحى ملموس، وتشير التقديرات إلى أن هذه الزيادة قد تؤدى إلى خفض استهلاك هذه المشروبات بنحو 24٪، نتيجة حساسية المستهلكين للأسعار، وهو ما ينعكس مباشرة على تقليل السُعرات الحرارية اليومية.
تأثيرات تبدأ صغيرة
تُظهر النتائج، أن هذا الانخفاض فى الاستهلاك قد يؤدى إلى تراجع متوسط الطاقة اليومية بنحو 25 كيلوجول للرجال و31 كيلوجول للنساء، وهو ما يترجم إلى انخفاض تدريجى فى مؤشر كتلة الجسم، ورغم أن هذا التغير يبدو محدودًا على المستوى الفردى، إلا أن تأثيره التراكمى على مستوى السكان يُحدث تحولًا كبيرًا.
فخلال 25 عامًا، يمكن لهذه السياسة أن تمنع نحو 350 ألف حالة سمنة، إلى جانب 250 ألف إصابة بمرض السكرى من النوع الثانى، و56 ألف حالة من أمراض القلب، و39 ألف سكتة دماغية، و2700 حالة سرطان، كما يمكن تجنب أكثر من 30.9 مليون حالة تسوس أسنان، وهو رقم يعكس التأثير العميق لهذه المشروبات على الصحة اليومية.
حماية الأرواح
ولا تقتصر الفوائد على تقليل معدلات الإصابة، بل تمتد إلى إنقاذ الأرواح، إذ تشير التقديرات إلى إمكانية تجنب نحو 18٫800 حالة وفاة بسبب أمراض القلب، و7600 بسبب السكرى، و7100 نتيجة السكتات الدماغية، إضافة إلى 1600 حالة وفاة بسبب السرطان.
وفى المحصلة، يمكن أن تضيف هذه السياسة نحو 1.6 مليون سنة حياة صحية للمصريين، وهو ما يعكس تحسنًا مزدوجًا فى طول العمر وجودته، ويضع هذه السياسة ضمن التدخلات الصحية ذات التأثير واسع النطاق.
مكاسب اقتصادية
واقتصاديًا، تكشف الدراسة عن جانب لا يقل أهمية، حيث يُتوقع أن تسهم هذه الضريبة فى توفير نحو 1.8 مليار دولار (حوالى 30 مليار جنيه مصري) من تكاليف الرعاية الصحية خلال 25 عامًا، وتزداد هذه الوفورات تدريجيًا مع انخفاض أعداد المرضى المحتاجين للعلاج من الأمراض المزمنة المرتبطة بالسمنة.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الوفورات تعادل نحو 8٪ من إجمالى الإنفاق الصحى بمصر، ما يمنح صُناع القرار، مساحة لإعادة توجيه الموارد نحو برامج الوقاية وتحسين جودة الخدمات الصحية.
مكاسب للشباب والنساء
وتُبرز الدراسة، أن التأثير الأكبر لهذه السياسة سيكون بين الشباب، الذين يعدون الأكثر استهلاكًا للمشروبات السكرية، وبالتالى الأكثر استجابة لتغير الأسعار، كما تحقق النساء مكاسب صحية أكبر نسبيًا، نتيجة ارتفاع معدلات السمنة بينهن، وهو ما يمنح هذه السياسة بُعدًا إضافيًا فى تقليص الفجوات الصحية بين الجنسين.. ويرى الباحثون أن ما يحدث فى مصر يعكس نمطًا عالميًا متكررًا فى الدول ذات الدخل المتوسط، حيث يؤدى التحضر السريع وتغير أنماط الحياة إلى زيادة استهلاك السكر وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، لكن حجم الظاهرة فى مصر، وسرعة تصاعدها، جعلاها نموذجًا مهمًا للدراسة والتدخل.
كما أن مشاركة مؤسسات دولية مثل مجموعة البنك الدولى، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن السياسات المالية مثل الضرائب، يمكن أن تكون أدوات فَعَّالة ليس فقط لتحسين الصحة، بل أيضًا لتقليل الأعباء الاقتصادية على الدول.
ما وراء الأرقام, وتشير تحليلات إضافية إلى أن زيادة نسبة الضريبة إلى مستويات أعلى قد تضاعف الفوائد الصحية والاقتصادية، بينما يمكن أن يؤدى استبدال هذه المشروبات بالمياه إلى تحقيق مكاسب صحية تصل إلى خمسة أضعاف.
كما تؤكد الدراسة، أن هذه الضريبة يمكن أن تكون جزءًا من استراتيجية وطنية أشمل، تشمل التوعية الغذائية، وتحسين الوصول إلى بدائل صحية، وتوجيه عائدات الضرائب لدعم برامج الوقاية من السمنة والأمراض المزمنة.. وفى النهاية، تقدم هذه الدراسة المدعومة دوليًا، دليلًا قويًا على أن مواجهة أزمة السكر فى مصر تتطلب أكثر من مجرد تغيير سلوك الأفراد، فبينما يبدو رفع سعر مشروب غازى قرارًا بسيطًا، إلا أن تأثيره وفق هذه النتائج، قد يمتد ليشمل إنقاذ آلاف الأرواح، وتحسين جودة حياة الملايين، وتخفيف الضغط عن الاقتصاد الوطنى.
وفى ظل هذا الاهتمام الدولى، تبدو مصر أمام فرصة حقيقية لتبنى سياسات مبتكرة قد لا تُغَيِّر فقط واقعها الصحى، بل تقدم نموذجًا يُحتذى به لدول أخرى تُواجه التحدى ذاته.
تطويرآليات منظومة الدعم| مدبولى: تنسيق حكومى مكثف لاستكمال الإجراءات وضمان وصوله للمستحقين
جزيرة إيفانكا.. مشروع فاخر مثير للجدل
«فاروس».. جزيرة تأبى النسيان







