تحظى قوانين الأحوال الشخصية، باهتمام بالغ من جانب الرأي العام والأوساط السياسة والتشريعية، خاصة بعد قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي، بتوجيه الحكومه بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية «الأسرة المسلمة، الأسرة المسيحية، صندوق دعم الأسرة» إلى مجلس النواب.
وتكشف إحدى القضايا المتعلقة بالأسرة، والتي عادت إلى الواجهة، بعد 10 سنوات من تداولها داخل أوقة المحاكم، لتكشف أن ما نعيشه اليوم لم يكن مفاجئًا، بل حذر منه القضاء مبكرًا، حين دق ناقوس الخطر.
◄ أزمة نفسية معقدة للأطفال
القضية لم تكن مجرد نزاع أسري عابر، بل تحولت إلى نموذج صارخ وصراع بين أطراف عدة على حضانة طفلين وولايتهما التعليمية، حيث تنقلت الأحكام بين الأم والأب والجدتين، في مشهد معقد شهد صدور 12 حكمًا قضائيًا متضاربًا، ما أدخل الجهات التنفيذية في حالة من ارتباك عن تنفيذ أي قرار حاسم.

أمام هذا المشهد، نظر المستشار محمد عبد الوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة، القضية من زاوية مختلفة، فلم يكتف بمراجعة الأوراق والأحكام، بل استدعى الطفلين للاستماع إليهما في جلسة خاصة، ليضع مصلحتهما النفسية والإنسانية في صدارة المشهد.
وكشفت الجلسة عن معاناة نفسية صعبة، حيث عبر الطفلان عن رغبتهما في البقاء مع والدتهما بعيدًا عن أجواء الصراع، وهو ما دفع المحكمة إلى إصدار حكمها ببقائهما مع الأم، رافضة دعوى الأب بشأن نقل ملفاتهما التعليمية.
◄ التأثيرات السلبية للصراعات الأسرية على الأطفال
أهمية هذا الحكم لم تتوقف عند حسم النزاع، بل امتدت إلى ما دوّنه القاضي في حيثياته، والتي جاءت بمثابة رسالة تحذيرية للمجتمع والمشرع، إذ رصدت التأثيرات السلبية للصراعات الأسرية على الأطفال، وعلى استقرار العملية التعليمية، محذرًا من أن استمرار هذا التنازع دون إطار قانوني واضح يهدد بتدمير البنية النفسية والتعليمية للأبناء.
اقرأ ايضا| قانون الأحوال الشخصية.. روشتة الخبراء لإنهاء معاناة ملايين الأسر
وقالت المحكمة «يجب التصدى لظاهرة التقليد وشيوع إغلاق باب الاجتهاد الذى يؤدى إلى الجمود والركود فى مجال التنظيم الأسرى، فلا يجب أن يقتصر النشاط الفقهي على اجترار التراث الفقهي عن طريق شرحه واختصاره أو تنظيمه، من دون إضافة، بل يتعين على الدراسات الفقهية أن تشق طريقها نحو التجديد والتطوير ومواكبة روح العصر والتعبير عن بيئته ومشكلاته المختلفة، تسايرًا مع التطور الزمني، خاصة وأن التجديد الصحيح هو الذى يؤدي إلى تقدم المعارف الإنسانية».

كما أن اختلاف المذاهب الفقهية في كثير من الأحكام والفروع له أسباب علمية وموضوعية اقتضت تقريرها وتعد هذه الثروة الفقهية التشريعية من نعم الله على الأمة الإسلامية، تجعلها في سعة من أمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد، بل يجوز الخروج عن مذهب أحد الأئمة الفقهاء إلى غيره من المذاهب إذا وجدت في المذهب الآخر سعة ومرونة يحقق صالح المجتمع، والشريعة الإسلامية الغراء تحض على الاجتهاد فى غير أحكامها القطعية فى ثبوتها ودلالتها واستلهام مقاصد الشريعة الكلية».
◄ التناحر والكيد بين المطلقين يصيب نفسية الأطفال
قالت المحكمة إن بعض من الأباء يتناحرون بعد الانفصال عن زوجاتهم، بشأن اختيار النظام التعليمى للصغار، اما نكاية فى الحاضنة أو إشعارها بالذل والهوان، لإرغامها على التنازل عما يكون لها من حق، فيتصارعون على سحب الملفات الدراسية للصغار – على نحو ما كشفت عنه الدعوى الماثلة - إما لنقلهم فى مدارس تقع خارج نطاق المحافظة المقيدين دراسيًا بها لتكون بعيدة عن أعين الحاضنة لتعجيزها، وإما لإلحاقهم بمدارس أقل مستوى فى تقديم خدمة التعليم، وإما لتغيير مسار النظام التعليمى بأكمله بنظام تعليمى آخر أقل جودة، وهذا التصارع والتناحر يؤثر على نفسية الطفل وتعريض حياته التعليمية لخطر الرسوب والتشتت والضياع، لذا فإن بقاء الصغير مع حضانته للقيام بتربيته ورعايته وعلى القمة، من تلك الرعاية شئونه التعليمية هو ما يحقق الصفاء النفسى للطفل».

◄ جفاء المعاملة بين الزوجين يدمر حياة الأطفال
قالت المحكمة «إذا أضحى الخلاف بين الزوجين مستحكما وأصبح الشقاق بينهما عميقًا وصار بنيان الأسرة متهادمًا وصرحها متداعيًا ورباطها متأكلا، يكاد أن يندثر وكان وقوع شقاق استفحل أمره بين الزوجين انحرافًا من أحدهما أو كليهما عن مقاصد الزواج الذى كان من ثمرته إنجاب الأطفال، ووقع الطلاق بينهما، فإن صدعهما مازال غائرًا يقيم بينهما جفوة فى المعاملة، لا يكون العدل والإحسان قوامها بل يذكيها التناحر والتصارع، فلا تكون حياتهما إلا سعيرًا يمتد أوزاره إلى الأطفال».
كما أن واقع الحياة العملية كشف أنه بعد الطلاق بين الزوجين تحدث الكثير من المشكلات الاجتماعية، حيث يتصارع الكثير من الأباء والأمهات بعد الانفصال على رعاية الأبناء الذين يتم توظيفهم في بعض الأحيان، لانتقام أحد الطرفين من الآخر، مما يتسبب في تدمير حياة الأطفال، فضلا عن التعسف والجفوة والمساومة من بعض الأزواج في أمور تتعلق بمصالح الأطفال في سحب ملفاتهم الدراسية من المدارس، والذي يؤدى إلى حرمان بعض الأطفال المحضونين من حقوقهم المدنية».

◄ إحصاءات الطلاق فى مصر مخيفة
وذكر الحكم، أن المحكمة يجب عليها أن تسجل خطورة المأساة التى يثيرها شطط كثير من الأباء وقسوتهم على الأمهات، ويزيدها اشتعالا تدخل عائلة كل طرف منهما بما يعمق النزاع على الولاية التعليمية تظهر أثاره السيئة من مشكلات اجتماعية نتيجة للتصارع من الوالدين من ناحية، والتناحر من عائلتهما، من ناحية أخرى ورغبة كل فريق منهما فى استلام الملف المدرسي وإلحاق الصغير بمدرسة معينة تغاير رغبة الآخر، إنما ترتبط بالأساس بحضانة الأطفال بعد الطلاق، بعد أن أصبح إحصاءات الطلاق في المجتمع المصرى بل والمجتمع العربى – ومصر قلبها النابض - مخيفا للغاية وفى تصاعد مستمر على نحو أضحى معه رعاية الأبناء تعليميًا بعد الطلاق فى خطر.
وأكدت المحكمة أن هذه المنازعة تعكس واقعًا مؤلمًا لما تعانيه المطلقات من صورٍ فادحة للعنف الأسري، وما يقترن به من تفريطٍ غير مقبول في حقوقهن وحقوق أبنائهن، بفعل تقاعس بعض الأزواج عن أداء التزاماتهم الشرعية والقانونية في نفقة الحضانة والرعاية والمسكن، فضلًا عما يكشف عنه الواقع من قسوة بعض النفوس وإهدارها لكرامة الزوجة وإهانتها، في مقابل تعنتٍ من بعض الزوجات واتخاذ الخصومة سبيلًا للكيد والإساءة، بما يجاوز حدود الحق إلى التعسف فيه، وهو ما يُنذر بتفكك الروابط الأسرية.

◄ إعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية
وتهيب المحكمة بالمُشرع أن يُعيد النظر في قانون الأحوال الشخصية، تطويرًا لآلياته، وسدًا لثغرات تطبيقه، بما يواكب ما طرأ على النفوس من تحولات، ويضع من الضوابط ما يكفل ردع هذا الانحراف، وصون كرامة الإنسان داخل الأسرة، وحماية حقوق الصغار، وإقامة ميزان العدالة على وجهه القويم، خاصة وأنه يتم توظيفهم في بعض الأحيان لانتقام أحد الطرفين من الآخر، مما يتسبب في إصابتهم بأمراض نفسية واضطرابات القلق والاكتئاب والتشتت النفسي، والشعور بالضياع وفقدان أحد الوالدين وبعدم الأمان وفقدان الثقة بمن حولهم، وهي الثقة التي يصعب استعادتها مستقبلا.
وأكدت المحكمة أن المشكلة الأهم هى التخلف الدراسي – وهو ما كشفت عنه الدعوى الماثلة - ويظل مصير هذا التخلف دراسيا هو أكبر مأساة نتيجة للتصارع والتناحر بين الأباء والأمهات بعد الطلاق ويؤدى إلى تدمير حياة الأطفال.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







