فى زمن لم يعد فيه النجاح يحتاج إلى جهد، ولا الشهرة إلى موهبة، برزت الصحافة كواحدة من أسهل الطرق لمن يبحث عن لقبٍ أو واجهة اجتماعية. فلم يعد مطلوبًا أن تكون كاتبًا بارعًا، أو قارئًا جيدًا، أو حتى ملمًا بما تكتب عنه، يكفى أن تمتلك حسابًا على مواقع التواصل الاجتماعى، وقليلًا من الجرأة، وكثيرًا من الضجيج.
أصبح الباب مفتوحًا على مصراعيه، ودخلت المهنة نماذج متعددة، من لا يجيد الكتابة أصبح «كاتب رأى»، ومن لا يفرّق بين الشائعة والخبر، صار «مصدرًا موثوقًا»، ومن لم ينجح فى أى مجال آخر وجد فى الصحافة حضنًا دافئًا ومساحة سهلة للظهور. وتحولت فى نظر كثيرين إلى مجال مفتوح يمكن لأى شخص دخوله دون تأهيل كافٍ حتى وصفت أحيانًا بأنها «مهنة من لا مهنة له».
فى الماضى، كان الصحفى يُعد إعدادًا مهنيًا دقيقًا، يمر بمراحل من التدريب والتأهيل، ويكتسب مهارات الكتابة والتحقق من المعلومات والالتزام بأخلاقيات المهنة. أما اليوم، فقد ساهمت هذه الوسائل فى كسر الحواجز التقليدية، وأصبحت الساحة مزدحمة بمحتوى مضطرب، يفتقر إلى أبسط قواعد الصحافة من التحقق، والمسئولية، واحترام عقل القارئ. حتى بات من السهل أن يتحول أى شخص إلى صحفى فى دقائق معدودة، طالما يمتلك هاتفًا ذكيًا وباقة نت والنتيجة، قارئ حائر، ومحتوى مشوش، وتراجع فى الثقة، وتآكل تدريجى فى قيمة الحقيقة.
لكن تبقى التجربة الحقيقية التى تعلمناها على أيدى الأساتذة الكبار فى الصحافة هى البوصلة التى نعود إليها دائمًا، ولا تزال بعض المواقف محفورة فى الذاكرة، حين كان أحد الأساتذة يوقف خبرًا كاملًا بسبب خطأ بسيط فى مصدر معلومة، مؤكدًا أن «خطأ واحدًا فى المعلومة كفيل بهدم ثقة القارئ إلى الأبد». كما كان أحدهم يعيد صياغة مقالًا كاملًا لأنه يرى أن اللغة لم ترتق إلى مستوى الحدث، رغم أن المضمون صحيح. مازالت تلك القيم، هى المرجع الذى نعود إليه كلما اختلطت الأصوات وضاعت المعايير. فى النهاية، ستبقى الصحافة مهنة عظيمة، لمن يحافظ على قيمتها ويدرك مسئوليتها، لا لمن يراها وسيلة سهلة للظهور أو الشهرة .

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







