فى الصميم

العودة إلى مائدة التفاوض!!

جلال عارف
جلال عارف


بعد ساعات فقط من الحديث عن فرض الحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، عاد التداول عن موعد الجولة التالية للتفاوض بين إيران وأمريكا(!!) وأكد نائب الرئيس الأمريكى «دى فانس» أن مفاوضات «إسلام أباد» قد حققت بالفعل تقدمًا كبيرًا، وأنه ترك للوفد الإيرانى اقتراح أمريكا لحل النقاط التى مازالت تعترض الاتفاق، وأن «الكرة فى ملعب إيران»!!

فى حقيقة الأمر، ورغم لغة التصعيد وإعلان المواقف المتشددة، فإن الطرفين الأساسيين فى الصراع (أمريكا وإيران) يدركان أن الحل العسكرى وصل إلى ذروته، وأن أى خطوة تصعيدية أخرى تعنى الكارثة التى لن يسلم منها الطرفان، وأن ستة أسابيع من الحرب لم ينتج عنها إلا المزيد من الدمار والمزيد من قضايا الخلاف والتى لم تكن موجودة قبل اندلاع الحرب وفى مقدمتها ما يتعلق بمضيق هرمز ثم بالحصار الأمريكى(!!).. الطرفان يدركان جيدًا أنه لا مجال لحل حقيقى إلا بالتفاوض الجاد والتنازلات المتبادلة، والعالم كله يدفع فى هذا الاتجاه، وجهود الوسطاء لم تتوقف لمنع التصعيد وتقريب المواقف.. ووحدها إسرائيل من تعرف أن إيقاف الحرب يعنى الفشل الكامل فى تحقيق أهدافها بعد أن ورطت أمريكا معها فى حرب كان فى الإمكان تفاديها!!

ورغم أن الأضواء تتركز على أزمة الحصار ومضيق هرمز، إلا أن جوهر الخلاف الذى منع الاتفاق فى جولة التفاوض الأولى فى «إسلام أباد» والذى سيكون أساس التفاوض القادم هو «الملف النووى» والذى كان الطرفان قريبين جدًا من الاتفاق بشأنه قبل اندلاع الحرب، ويعودان للتفاوض بشأنه الآن من نفس النقطة التى كانا قد توصلا إليها فى مفاوضات مسقط وجنيف التى سبقت اندلاع الحرب(!!) كان جوهر الخلاف ومازال هو مخزون اليورانيوم المخصب الذى تريد الولايات المتحدة نقله من إيران وإبقاءه تحت سيطرة أمريكية، وإيقاف أى تخصيب إيرانى جديد ولو للأغراض السلمية..

وهو ما تعارضه إيران مستندة إلى حقها القانونى فى ذلك وقبولها لكل أنشطة المراقبة من جانب وكالة الطاقة النووية الدولية!!

فى محادثات «إسلام أباد» طلبت أمريكا إيقاف كل الأنشطة النووية الإيرانية، والضمانات الكافية بعدم تخصيب اليورانيوم إلى الأبد.

ثم كان العرض النهائى هو الإيقاف الكامل للتخصيب لمدة عشرين عامًا، بينما كان موقف طهران يقبل عدم التخصيب لخمس سنوات فقط.. وهو ـ بالمناسبة ـ من موقفها قبل الحرب(!!) وهو الموقف الذى كانت وراءه مرونة «على لاريجانى» الذى كان هدفًا بعد ذلك ـ للاغتيال من جانب إسرائيل التى تعلن بوضوح أنها لن تقبل إلا بـ «صفر نووى» فى إيران.. وفى كل دول المنطقة!!

العودة إلى مائدة التفاوض ـ إذا حسنت النوايا ـ ستكون إقرارًا من الطرفين بأن الاتفاق ممكن ومتاح، وبأنه لا بديل عن الحل السياسى والتنازلات المتبادلة، وبأن هذه حرب لا يمكن الاستمرار فيها لأنها ـ باختصار شديد ـ حرب الكل فيها خاسر، والمنتصر فيها من يملك الشجاعة لإيقاف الكارثة قبل أن تكتمل!!