على مدار عقود، ظل قطاع السيارات حبيس نموذج التجميع المحلي الذي يعتمد بشكل أساسي على استيراد المكونات الحيوية من الخارج، دون الانتقال الفعلي إلى مرحلة التصنيع الكامل التي تشمل المحركات والأجزاء التقنية المعقدة.
وهذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية حول الفجوة بين النوايا الاستراتيجية، وبين القدرة على خلق بيئة صناعية متكاملة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، حتى تكون مؤهلة لقيادة عجلة الاقتصاد الوطني.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن نسبة التصنيع المحلي قد تصل إلى نحو 45%، إلا أن هذه النسبة وفقًا لخبراء لا تعكس الصورة الحقيقية داخل خطوط الإنتاج.
وفي هذا الصدد، أوضح اللواء حسين مصطفى، الرئيس التنفيذي السابق لرابطة مصنعي السيارات وعضو الشعبة العامة للسيارات باتحاد الغرف التجارية، أن رقم الـ45% هو نسبة إجرائية تستخدم فقط لاستيفاء شروط هيئة التنمية الصناعية للحصول على رخص التصنيع، حيث تعتمد على احتساب تقديري لعشرات الأجزاء المحلية دون أن تمثل قيمة مضافة فعلية.
وأكد عضو الشعبة العامة للسيارات باتحاد الغرف التجارية أن النسبة الواقعية للتصنيع المحلي، عند احتساب العمليات الصناعية الفعلية والعمالة والمكونات المنتجة داخل مصر، لا تتجاوز 25%، ويرجع ذلك إلى: ضعف حجم الصناعات المغذية وعدم قدرتها على إنتاج مكونات رئيسية، استمرار الاعتماد على أجزاء مستوردة لا يمكن الاستغناء عنها، غياب استثمارات الشركات العالمية في خطوط إنتاج مكونات حقيقية داخل مصر.
وأضاف أن معظم ما يتم في المصانع اليوم هو تجميع محسن، وليس صناعة مكتملة، فالشركات الأم لم تتوسع بعد في ضخ استثمارات لتوطين صناعة الأجزاء الأساسية، كما أن إنتاج المكونات محليًا يتم غالبًا بكميات أقل من الحجم الاقتصادي، ما يجعل تكلفة التصنيع أعلى من الاستيراد، فتتقلص الجدوى وتظل نسب التصنيع الحقيقية منخفضة.
ومن جانبه، يرى الخبير الاقتصادي أحمد سمير أن عدم قدرة الصناعة على تجاوز حاجز الـ45% يرجع إلى تحديات هيكلية، أبرزها استمرار استيراد المكونات الحيوية، وندرة العمالة الماهرة في الصناعات الهندسية، وارتفاع تكاليف الشحن والإنتاج، إلى جانب المنافسة الشرسة مع شركات عالمية تمتلك سلاسل توريد ضخمة وتكلفة إنتاج أقل بكثير.
وأشار سمير إلى أن الدولة تعمل بخطى واضحة لتغيير هذا الواقع، بدءًا من الاستراتيجية الوطنية لتصنيع السيارات التي أطلقت عام 2022، مرورًا بتوقيع شراكات مع علامات عالمية مثل جيلي وBAIC، وصولًا إلى تقديم حوافز استثمارية وتطوير بنية تحتية داعمة للصناعة، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.
وأكد الخبير الاقتصادي أنه لن يتم صناعة سيارات متكاملة في مصر إلا عند توطين الصناعات المغذية، وجذب استثمارات مباشرة من الشركات الأم، وتوسيع الطاقة الإنتاجية بما يكسر دائرة التكلفة العالية ويطلق الصناعة نحو مسارها الحقيقي.

الفاصوليا البيضاء.. محصول استراتيجي يدعم مئات الأسر في "العوضية"
أطلس رقمي.. دراسة تكشف أسرار الآثار الغارقة وتدعو لحماية التراث البحري
بريق «الذهب الأسود».. الباب الخلفي لـ«بيزنس» دبلوم التلمذة الصناعية (2 - 3)





