هل تدفع البيئة ثمن الحروب؟ وهل أصبح شعار «الطاقة تبرر الوسيلة» هو الحاكم الفعلي لسياسات الدول في أوقات الأزمات؟ تساؤلات فرضت نفسها بقوة بعد انتهاء الحرب على إيران التي استمرت 38 يومًا، والتي لم تقتصر تداعياتها على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتدت إلى ملف بالغ الحساسية يتعلق بمستقبل المناخ العالمي.
مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج، وتعطل إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز - الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية - وجدت عدة دول نفسها أمام معادلة صعبة: إما مواجهة أزمة طاقة حادة، أو العودة إلى مصادر تقليدية أكثر استقرارًا، في مقدمتها الفحم، رغم تكلفته البيئية المرتفعة.

وبحسب تقارير دولية، من بينها ما نشرته صحيفة «الجارديان» ووكالة «أسوشيتدبرس» فإن الحرب دفعت بالفعل عددًا من الدول، من بينها اليابان، إلى مراجعة سياساتها الطاقية، إذ أعلنت طوكيو تخفيف القيود المفروضة على تشغيل محطات الكهرباء العاملة بالفحم خلال عام مالي كامل، في خطوة تهدف إلى تأمين إمدادت الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تثير مخاوف بيئية واسعة.
◄ تراجع المسار الأخضر
هذه التحولات تعكس، وفق مراقبين، تراجعًا ملحوظًا في مسار التحول نحو الطاقة النظيفة، الذي كان العالم قد تبناه خلال السنوات الماضية، إذ شهد العقد الأخير توسعًا كبيرًا في استخدام الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مدعومًا بالتزامات دولية مثل اتفاق باريس للمناخ.
غير أن الأزمة الأخيرة كشفت هشاشة هذا المسار أمام صدمات الجيوسياسية، إذ أشارت «الجارديان» إلى أن الأزمات الحالية تزيد من استخدام الوقود الأحفوري مؤقتًا، لكنها في الوقت نفسه تهدد التحول الأخضر على المدى الطويل، بينما أكدت «أسوشيتدبرس» أن العودة إلى الفحم تعني علميًا زيادة مباشرة في الانبعاثات الكربونية.
◄ الفحم خيار الأزمات
ورغم السمعة البيئية السلبية للفحم، فإنه يظل خيارًا مغريًا في أوقات الأزمات لعدة أسباب. أولًا: وفرة احتياطاته عالميًا، إذ يعد من أكثر مصادر الطاقة الأحفورية انتشارًا، ثانيًا: استقرار امداداته، إذ لا يعتمد على ممرات بحرية حساسة مقارنة بالنفط والغاز، ثالثًا: انخفاض تكلفته نسبيًا، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة.

وتؤكد بيانات وكالة الطاقة الدولية أن الإنتاج العالمي من الفحم وصل إلى مستويات قياسية تقارب 9 مليارات طن خلال عامي 2023، 2024 مدفوعًا بزيادة الإنتاج في دول مثل الصين والهند وإندونيسيا.
وتحتل الصين موقع الصدارة عالميًا، حيث تمثل أكثر من نصف الإنتاج العالمي من الفحم، وهو ما يمنحها تأثيرًا مباشرًا على مسار سوق الطاقة العالمي، كما تشير تقارير صادرة عن منصة « Carbon Brief» إلى أن بكين تتجه لإضافة نحو 161 جيجاوات من محطات الفحمالجديدة، رغم توسعها السابق في الطاقة المتجددة في خطوة تعكس ضغوطًا اقتصادية داخلية.
◄ حلقة مفرغة
من أخطر التداعيات المرتبطة بالعودة إلى الفحم، ما يصفه خبراء المناخ ب «الحلقة المفرغة»، لاسيما وأن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة الطلب على الكهرباء، خاصة لأغراض التبريد، ما يدفع الدول إلى استخدام مزيد من مصادر الطاقة، وإذا لم تكن الطاقة النظيفة كافية، يصبح الفحم الخيار الأسرع.

وهكذا تتكرر الدورة: أزمات جيوسياسية تؤدي إلى زيادة الاعتماد على الفحم، ما يرفع الانبعاثات، ويؤدي إلى تسارع التغير المناخي، ومن ثم زيادة الطلب على الطاقة، والعودة مرة أخرى إلى الفحم.
◄ مفارقة المسارين
الحرب على إيران أفرزت مفارقة واضحة في سياسات الطاقة العالمية، إذ دفعت الدول نحو مسارين متناقضين في آن واحد، على المدى القصير، هناك عودة إلى الفحم لضمان أمن الطاقة، بينما على المدى الطويل تتزايد الدعوات لتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
اقرأ ايضا| الحرب على إيران.. الانبعاثات الكربونية تفوق دولًا كاملة في 365 يومًا
هذه المفارقة تعكس التحدي الأكبر الذي تواجهه الدول، والمتمثل في تحقيق التوازن بين ثلاثة أهداف رئيسية: طاقة آمنة، ورخيصة، ونظيفة، غير أن في وقت الأزمات غالبًا ما يتم التضحية بالمبدأ الثالث.

◄ تداعيات اقتصادية ومناخية
العودة إلى الفحم لا تقتصر آثارها على البيئة فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد أيضًا، لاسيما وأن زيادة الاعتماد عل الفحم تؤدي إلى ارتفاع الانبعاثات الكربونية مقارنة بالغاز الطبيعي، ما قد يعرض الدول لفرض ضرائب كربونية مستقبلية، ومن ناحية أخرى، ربما تؤدي تلك السياسات إلى تباطؤ الاستثمارات في الطاقة المتجددة، فضلًا عن خلق اعتماد مؤقت قد يتحول إلي سياسة طويلة الأمد، خاصة في الدول التي تمتلك احتياطات كبيرة من الفحم، إلى جانب أن استيراد الفحم يفرض ضغوطًا إضافية على الموازنات الحكومية، في وقت تعاني فيه العديد من الدول من أزمات اقتصادية متفاقمة.
◄ أزمة التمويل المناخي
تطرح هذه التطورات تساؤلات حول مدى التزام الدول بتعهداتها المناخية، خاصة في ظل مشاركتها في مؤتمرات دولية مثل COP، والتي ركزت على دعم الدول النامية في التحول إلي الطاقة النظيفة، غير أن الواقع يشير إلى فجوة تمويلية كبيرة، إذ نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إندونيسي أن خطة بلاده لإغلاق محطات فحم بقدرة 6.7 جيجاوات قد تواجه الفشل، بسبب عدم الوفاء بتعهدات تمويلية بقيمة 20 مليار دولار خلال فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات.
◄ مواقف المؤساات الدولية
في هذا السياق، حذرت المؤساات الدولية من تداعيات هذه التحولات، وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش أن "إدمان الوقود الأحفوري لا يهدد المناخ فحسب، بل يزعزع استقرار العالم".

كما أشارت تقارير الجارديان إلى أن الحكومات بدأت تعيد ترتيب أولوياتها، مقدمة أمن الطاقة على الالتزامات المناخية، ما قد يؤدي إلى تأجيل أو تعطيل خطط التحول الأخضر.
في المقابل، دعا نشطاء المناخ إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، باعتبارها الحل الوحيد لتحقيق الاستقلال الطاقي دون الإضرار بالبيئة، وتظهر تجارب بعض الدول مثل إسبانيا والبرتغال، نجاحًا نسبيًا في هذا المجال بفضل توسعها في استخدام الطاقة النظيفة، فيما شهدت دول أخرى، مثل باكستان، طفرة في استخدام الألواح الشمسية على أسطح المنازل، ما ساعدها على تخفيف آثار أزمة الطاقة
◄ مستقبل غامض
في ظل هذه المعطيات، يبقي السؤال مفتوحًا: هل تمثل العودة إلى الفحم مجرد إجراء مؤقت فرضته الظروف، أم أنها بداية لتحول أعمق في سياسات الطاقة العالمية؟
الإجابة، وفق خبراء، تعتمد على مدى قدرة الدول على موازنة احتياجاتها الآنية مع التزاماتها المستقبلية، إذ أن في ظل ما تفرضه الأزمات الراهنة من خيارات صعبة، يبقي التحدي الحقيقي هو عدم تحويل الحلول المؤقتة إلى سياسات دائمة.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







