الاضطرابات النفسية..نار تلتهم طاقة الإنسان

ضغوط الحياة اليومية والإفراط فى استخدام وسائل التواصل أبرز الأسباب

الاضطرابات النفسية.
الاضطرابات النفسية.


نجوى الفضالى

يغوص كل منا فى عالمه نضرب يمينًا ويسارًا فى دروب الدنيا نتأثر بها وتؤثر فينا ولكن دون أن نتعلم أن نقف خطوة لنرى المشهد عن بعد ونقيم ما حل بأرواحنا من خراب. يقول خبراء علم النفس بوجوب هذه الخطوة كل حين لترميم ما تهدم فى دروب الحياة من نفسنا البشرية ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

الخبراء: الاكتئاب والقلق والوسواس القهرى الأكثر انتشارًا 

فى زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، لم تعد الاضطرابات النفسية حكرًا على فئة بعينها، بل أصبحت ظاهرة عالمية تتسلل بهدوء إلى حياة الملايين يتساوى فى نصيبها الغنى والفقير، الكبير والصغير، المتعلم وغير المتعلم . فبين القلق والاكتئاب والوسواس القهرى، تتعدد الوجوه ويظل الألم النفسى هو القاسم المشترك بين من يعانون فى صمت، خشية نظرة المجتمع أو ضعف الوعى بخطورة المرض النفسى.
وبأنه ليس ضعفًا فى الإرادة، بل نداء استغاثة من النفس تطلب به الراحة والتوازن فى عالم يلهث وراء الإنتاج والنجاح، تبقى العناية بالصحة النفسية ضرورة للبقاء والاستمرار. فالقلب الذى يشتعل بالحياة يجب ألا يُترك ليحترق بصمت.
تقول د. أميرة عبد المحسن إخصائية الطب النفسى وعلاج الإدمان: انتشرت الأمراض والاضطرابات النفسية مؤخرا بشكل كبير نظرًا لضغوط وتسارع وتيرة الحياة فمن أكثر الأمراض النفسية انتشارًا الاكتئاب الذى يُعد أكثر الأمراض النفسية شيوعًا فى العالم، إذ يُصاب به نحو 280 مليون شخص وفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية.
تتنوع أعراضه بين الحزن المستمر، وفقدان الرغبة فى الحياة، واضطرابات النوم والشهية، والشعور بانعدام القيمة.
وهناك القلق العام ونوبات الهلع ويظهر على شكل توتر دائم وخوف غير مبرر من المستقبل. بالإضافة إلى الوسواس القهرى حيث يتمثل فى أفكار تسيطر على العقل تدفع الفرد إلى القيام بتصرفات متكررة مثل الغسيل الزائد لليدين أو التأكد المفرط من الأمور، فى محاولة للتخفيف من القلق الداخلى.
بالإضافة إلى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) حيث ينتج عن التعرض لحوادث مؤلمة، ويظهر فى شكل كوابيس وذكريات متكررة وشعور دائم بالخطر حتى بعد مرور زمن طويل على الحدث.
أما عن أسباب انتشار الاضطرابات النفسية فيؤكد د جمال فرويز استشارى الأمراض النفسية أن مسببات الاضطرابات النفسية هى ضغوط الحياة اليومية: مثل البطالة، الأزمات الاقتصادية، والمشكلات الأسرية والعزلة الاجتماعية وضعف العلاقات الإنسانية، نتيجة التقدم التكنولوجى والإفراط فى استخدام وسائل التواصل فيحدث فجوة يتوه فيها الإنسان عن الواقع ولا يستطيع جمع شتات أمره.
وأضاف ان الوراثة والعوامل الجينية أساسيان؛ لأن بعض الاضطرابات تنتقل عبر الأجيال.
كما أن للاضطرابات الهرمونية أو العضوية دورا أيضا مثل خلل الغدة الدرقية أو التغيرات بعد الولادة.. وأضاف د. جمال أن قلة الوعى النفسى والخوف من وصمة العلاج تؤدى إلى تفاقم الحالات دون تدخل مبكر.
أكدت د. أميرة أن المجتمع يحتاج إلى أن ينظر للمرض النفسى كما ينظر للمرض الجسدى تمامًا، فالعقل عضو يتعب مثل القلب والكبد، والعلاج المبكر يضمن التعافى الكامل فى أغلب الحالات.
ولابد من إدماج التربية النفسية فى المدارس والجامعات وزيادة عدد العيادات النفسية داخل المستشفيات العامة.. وتشجيع الإعلام على تناول الصحة النفسية بشكل واقعى وغير وصمى.
كما أن دعم الأسرة للمريض وعدم عزله أو السخرية من معاناته له دور هام فى إتمام علاجه.
الاحتراق النفسى
تقول د. مروة ياسر إخصائية الأمراض النفسية والعصبية: إن الشعور الدائم بالتعب والارهاق من الممكن أن يكتشف على أنه اضطراب نفسى نطلق عليه «الاحتراق النفسى» فمهما نام الإنسان يشعر بالتعب فمن الممكن ألا يكون تعبا عاديا ولكنه احتراق نفسى.
وعن أساليب العلاج والوقاية أجابت:  ليس من العيب التوجه للطبيب النفسى لاستعادة أنفسنا والمساعدة على العلاج ليخرج الإنسان من دائرة حياته المغلقة بما فيها من عوار كما أن هناك بعض الخطوات نضعها لمن أجهدته الحياة وسببت له هذا النوع من الاضطراب مثل تخصيص وقت للراحة والاستجمام وممارسة أنشطة محببة مثل القراءة أو الرياضة أو السفر وتحديد أولويات العمل وعدم تحميل النفس فوق طاقتها وتعزيز ثقافة التوازن بين العمل والحياة الأسرية.
الخجل المرضى
تقول د. بسنت الحنفى إخصائية الطب النفسى إن الحياء من أجمل الصفات الإنسانية التى تضبط السلوك وتحافظ على اتزان العلاقات، لكنه إذا تجاوز حدّه الطبيعى وتحول إلى خجل مفرط أو خوف من الآخرين، فقد يدخل فى نطاق اضطراب القلق الاجتماعى، حيث يفقد الإنسان قدرته على التواصل والتعبير عن ذاته.
فما كان يُعتبر أدبًا فى الماضى، أصبح اليوم فى بعض الحالات عائقًا أمام التفاعل الاجتماعى والتطور الشخصى.
وأشارت إلى أنه كان يُقال قديمًا إن الشخص «المنعزل» هو صاحب فكر عميق أو قلب زاهد فى الدنيا، لكن الدراسات النفسية الحديثة تشير إلى أن العزلة المفرطة قد تكون مؤشرًا على الاكتئاب أو الانسحاب الاجتماعى.
فالفارق بين «الهدوء الاختيارى» و»الانعزال القهرى» هو أن الأول نابع من راحة، أما الثانى فنتاج ألم داخلى أو خوف من الرفض.
أضافت د. بسنت أن الإخصائيين النفسيين أكدوا أن التطور الحضارى والتقنى غيّر نظرة المجتمعات إلى السلوك الإنسانى.. فما كان يُعد «حياءً محمودًا» أو «تواضعًا» أصبح فى بعض الأحيان نقصًا فى المهارات الاجتماعية أو ضعف ثقة بالنفس.. كما أن الوعى النفسى الحديث بدأ يكشف عن خطوط دقيقة تفصل بين الصفات السليمة والاضطرابات المستترة.
حين تتحول الصفة الجميلة إلى أذى نفسى يمنع الشخص من العمل أو الدراسة أو تكوين العلاقات، يجب أن يطلب المساعدة دون خجل.
فالحكمة ليست فى إنكار الألم، بل فى فهمه ومعالجته.
فالحياء المحمود لا يمنع التعبير، والانطواء الصحى لا يعزل عن الحياة، والخجل الطبيعى لا يُقيد الإرادة.
وهنا يأتى دور العلاج المعرفى السلوكى (CBT (Cognitive Behavioural therapy
الذى يساعد فيه الطبيب على إعادة صياغة الأفكار نحو المريض أو الناس أو المواقف التى تمر بها ويدرب على تمارين كثيرة منها: تمارين التعرض التدريجى، تمارين اليقظة، تمارين الاسترخاء، التى تساعد بشكل كبير على التقليل من حدة التوتر، كما أن هناك بعض الحالات التى تحتاج إلى تدخلات دوائية آمنة تساعد على التحسن. كما أضافت أن إحصاءات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن أكثر من 20% من الشباب عالميًا يعانون من أعراض القلق الاجتماعى أو العزلة النفسية بدرجات متفاوتة.
وبحسب دراسة حديثة أجرتها وزارة الصحة المصرية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية عام 2024، فإن نحو واحد من كل خمسة شباب مصريين يعانى من مظاهر اضطراب نفسى خفيف إلى متوسط، أبرزها القلق والخجل الاجتماعى.. كما أظهرت نتائج المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية أن العزلة المفرطة والخوف من المواجهة من أكثر المشكلات النفسية شيوعًا بين طلبة الجامعات.
بين الفضيلة والاضطراب
هناك بين الفضيلة والاضطراب النفسى خيط رفيع لا يراه إلا الوعى.
ومع اتساع المعرفة النفسية، لم يعد الحياء أو العزلة أو الخجل صفات مطلقة تُمدح أو تُذم، بل أصبحت حالات نسبية تختلف باختلاف الإنسان وظروفه.
إن التوازن هو مفتاح السلام النفسى، والاعتدال هو الفضيلة التى لا تنقلب إلى ضدها.
الكرم المفرط.. تضحية على حساب الذات
كان الكرم عنوانًا للنجدة والمروءة، لكن الإفراط فيه اليوم يُعرف فى علم النفس بـ «اضطراب إرضاء الآخرين».
علاج الإفراط
تقول الدكتورة سمر عبد الرحمن، أستاذة علم النفس بجامعة القاهرة: كل صفة بشرية جميلة قد تتحول إلى اضطراب عندما تفقد توازنها ونحن لا نعالج الاخلاق بل نعالج الإفراط فيها فحين يسبب الأذى لصاحبه فالاعتدال هو سر الصحة النفسية.
وتؤكد أن «الوعى المجتمعى ما زال يربط بين المعاناة والصبر أو بين الخجل والحياء، بينما الحقيقة أن التطرف فى أى صفة - مهما كانت نبيلة- يفتح الباب للاضطراب النفسى».
فالصبر من أسمى القيم، لكنه حين يصبح قبولًا للظلم أو الإهانة دون محاولة التغيير، يتحول إلى ما يسميه علماء النفس بـ العجز المكتسب، وهو أحد مظاهر الاكتئاب المزمن.. فالسكوت الطويل عن المعاناة لا يُعتبر فضيلة بقدر ما هو إشارة إلى إنذار داخلى يحتاج إلى تدخل.
ويؤكد د.فروبز ان الحرص والانضباط سلوك محمود، لكن حين يتحول إلى تفكير قهرى وسلوك متكرر يصبح مؤشرًا على اضطراب الوسواس القهرى (OCD)
فمن يراجع الأبواب عشرات المرات أو يغسل يديه بلا توقف، لا يبحث عن النظام بل يهرب من قلق داخلى مستمر.
كما أن الغيرة فى حدودها المعتدلة دليل اهتمام، لكنها إذا تجاوزت المنطق تصبح اضطرابًا فى التعلق أو أوهامًا، تجعل صاحبها يعيش فى دوامة من الشك والقلق الدائم، وتدمّر العلاقات التى يسعى للحفاظ عليها.
وهناك العديد من الحوادث التى تحول فيها الحب إلى إحساس قوى بالامتلاك لدرجة الخوف من الفقد.