رؤية اقتصادية

نهاية وهم الأزمات المؤقتة

د. كريم يحيى
د. كريم يحيى


د. كريم يحيى 

 لم تعد المشكلة فى حجم الأزمات التى تضرب الاقتصاد العالمى، بل فى الوهم الذى لا يزال يسيطر على إدارتها: أن ما نعيشه مؤقت، بينما الحقيقة أنه أصبح هو القاعدة. لم يعد مقبولًا التعامل مع ما يجرى فى الاقتصاد العالمى باعتباره أزمة عابرة يمكن احتمالها حتى تمر. هذه ليست عاصفة، بل مناخ جديد بالكامل. ومن يخطئ توصيف اللحظة، يخطئ حتمًا فى قراراته.
العالم الآن لا يُدار بقواعد مستقرة، بل بردود أفعال متلاحقة. حروب تُدار بلا أفق سياسى واضح، وأسواق تتقلب على وقع تصريحات، وبنوك مركزية كبرى تتردد بين خوفين: التضخم إذا تحركت، والركود إذا لم تتحرك. هذه ليست حالة اختلال مؤقت، بل خلل ممتد فى بنية الاقتصاد العالمى.
فى هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقى فى مصر: هل ما زلنا ندير اقتصادنا بعقلية ـــ احتواء الأزمة ـــ أم بدأنا فعلًا فى التعامل مع ـــ عصر الأزمات ـــ؟ الفارق بين الاثنين ليس لغويًا، بل مصيرى.
سياسات الاحتواء تقوم على المسكنات: تأجيل، ترحيل، وامتصاص صدمات. أما التعامل مع عصر الأزمات فيفترض قرارات أكثر صعوبة: إعادة ترتيب أولويات، تقليل انكشاف، وبناء قدرة حقيقية على الصمود. المشكلة أن المسار الأول أسهل سياسيًا، لكنه أكثر كلفة اقتصاديًا على المدى المتوسط.
لنكن أكثر صراحة: جزء من الضغوط التى نواجهها اليوم ليس فقط نتيجة ما يحدث فى الخارج، بل نتيجة نمط اقتصادى ظل لسنوات يميل إلى الاعتماد على مصادر تمويل سريعة، وانكشاف مرتفع على الخارج، مقابل قاعدة إنتاجية لم تنمُ بالوتيرة الكافية.ومع كل أزمة عالمية، كانت هذه الفجوة تتسع.
الحرب الحالية ـــ أيًا كان مسارها ـــ كشفت هشاشة هذا التوازن. أسعار طاقة مضطربة، تكلفة تمويل أعلى، وسلاسل إمداد لم تعد مضمونة. والأسوأ أن نهاية الصراع، حين تأتى، لن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه سريعًا، بل ستترك آثارًا ممتدة قد تستمر شهورًا، وربما سنوات.فى مثل هذا العالم، لا يكفى أن ـــ نصمد ـــ ، بل يجب أن ـــ نتغير ـــ. وهنا يعود المعنى الحقيقى لفكرة ـــ الألم ـــ: هناك ألم يُدار، وألم يُستثمر.
الأول نعرفه جيدًا ـــ إجراءات مؤقتة، ضغوط معيشية، وانتظار لتحسن خارجى. أما الثانى، فهو الأصعب: إصلاحات حقيقية تعيد توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج، تقلل الاعتماد على الخارج، وتخلق مصادر قوة داخلية. هذا النوع من الألم مكلف سياسيًا، لكنه وحده القادر على تقليل كلفة الأزمات القادمة.التجارب الدولية لا تترك مجالًا للشك: الدول التى خرجت أقوى من الأزمات لم تكن الأقل تضررًا، بل الأكثر جرأة فى اتخاذ قرارات غير شعبية فى توقيت حساس.
أما الرهان على أن ـــ الأمور ستتحسن وحدهاـــ ، فهو رهان خاسر فى عالم لم يعد يمنح أحدًا هذه الرفاهية. مصر اليوم أمام لحظة اختيار حقيقية، لا تحتمل الحلول الوسط: إما الاستمرار فى إدارة الضغوط بنفس الأدوات، أو الانتقال إلى نموذج اقتصادى أكثر صلابة، حتى لو كانت كلفته فى البداية أعلى. قد يكون الألم فى الحالتين حتميًا. لكن الفارق أن أحدهما يُبقيك فى نفس الدائرة… والآخر يخرجك منها.