عصر المعرفة

نظرية جديدة لكل مثقف

د.محمد سليم شوشة
د.محمد سليم شوشة


د.محمد سليم شوشة

البحث العلمى والإبداع يقومان فى جوهرهما على حال من الاستقرار النفسى والثقة بالنفس، وهضم السابق هضماً جيداً، والإحساس العميق باللحظة التاريخية وسياقها.

من الطرائف العجيبة والمفجرة للدهشة والتساؤل، ما نجد فى ثقافتنا العربية من رغبة لدى كل كاتب وناقد بأن تكون له نظريته الجديدة الخاصة به فى مجاله. حتى ليبدو الأمر وكأن أدباءنا ونقادنا ومفكرينا كلهم فى حال تحدٍ مع ذواتهم، بأن يكون كل واحد منهم صاحب بصمة ومتفرداً. وتتضاعف الدهشة والغرابة حين يكون ذلك أيضاً لدى الأكاديميين. 
المشكلة أن هذا الأمر وراءه ما يمكن وصفه بالخلل النفسي، إذ فضلاً عن كون هذه الرغبة تنافى طبيعة العلم، وتمثل انحرافاً عن مسار التراكم الذى هو أمر جوهرى وأساسى فى الفنون والعلوم والآداب، فإنها تدل بوضوح على خلل نفسى وشعور سلبى ضاغط بعدم التحقق، سواء على المستوى الفردى أو الجماعي. 
البحث العلمى والإبداع يقومان فى جوهرهما على حال من الاستقرار النفسى والثقة بالنفس، وهضم السابق هضماً جيداً، والإحساس العميق باللحظة التاريخية وسياقها، والإحساس بالذات ومحيطها، وكل هذا يتطلب شخصاً سوياً خالياً تماماً من أى عوامل نفسية ضاغطة. والشخص الذى يريد أن يمتلك نظرية جديدة هو شخص بحاجة لأن يشير لنفسه، بداخله حالة من العطش الشديد للظهور، أو أن لديه إحساساً سلبياً تجاه الآخر سواء كان هذا الآخر ينتمى لحضارته ولكنه فى زمن سابق، أو أن الآخر ينتمى لحضارة أخرى. والمشكلة أننا لم ندرس سيكولوجيا الإبداع كما ينبغي، وبمثل ما درسها العالم كله، فى ضوء المستجدات العلمية فى حقول معرفية مختلفة لا تقف عند حدود علم النفس، بل تمتد إلى ربطه بالتشريح والأبحاث الدماغية والعصبية وعلوم اللغة والإدراك. 
لكى أكون محدداً أشير فى هذا السياق إلى تجربة قطاع عريض من النقاد العرب الذين قالوا لابد وأن تكون لنا نظريتنا النقدية الخاصة، ثم إن هذا الفريق كله لم يجتمع على ملامح محددة ترسم أطر نظريتهم هذه، وأخذ كل واحد منهم مسارات مختلفة لايميزهم ويجمعهم إلا التشدق بكل ما ينتمى للماضي، ومحاولة تأكيد أن كل جديد امتلكه الغرب أو الشرق الحديثان، كان موجوداً لدى نقادنا العرب القدامى. ثم زاد الأمر تردياً وسوءاً حين أصبح لكل واحد من هؤلاء نظريته الخاصة وطرحه المختلف، وبالتالى مصطلحاته الجديدة والمختلفة، والواقع أن كثيراً منها كان تحويراً لما عند الغرب تحديداً ولكن بصياغة عربية. 
فأصبحت لدينا نظرية عربية مشوهة، وأصبح لدينا رواد كثر، كل واحد منهم له نظريته الخاصة ومصطلحاته الخاصة التى لا يعرفها غيره، ولا يبنى عليها أحد بعده، أو يتواصل معه حولها أحد من داخل حقله المعرفى. 
الواقع أن هذا الانفلات التنظيرى كان كارثة حلت على العقل العربي، كارثة بكل المقاييس لو كنا ندقق فى الأمور، ذلك لأن النظريات إنما تُطرح لتكون مساحة يتم الاتصال فيها، أى لتكون رابطاً بين مجموعة من الباحثين تنظم فكرهم وتنتظم جهودهم وطروحاتهم وفرضياتهم، والنظريات لا تنشأ أبداً من العدم، ولا تكون محض قفزات بهلوانية فى الفراغ، بل تنشأ تدريجياً على أساس من قديم أصبح الاختلاف معه حتمياً، تنشأ النظريات عن حالة من الجدل والنقاش debate العلمى المتنامى والمتصاعد الوتيرة من عقل إلى آخر. لتكون النظرية مثل شعاع النار والنور الذى يندلع من جمر عقول متوهجة تجاورت وتعاضدت وحدث بينها اتصال مكثف، اتصال تكثيف نظر وتدقيق وتمحيص وفحص ومراجعة.
فى العقود الخمسة الماضية كان لدينا تياران فى النقد الأدبي، أحدهما يمضى فى ضوء المسار الذى رسمه طه حسين فى التحديث والتطوير والعقلانية والأخذ عن الأمم الأخرى التى سبقتنا، والإفادة من تراث الإنسانية كلها ومنجزاتها، وكان من هؤلاء عز الدين إسماعيل وجابر عصفور وصلاح فضل ومحمد حسن عبد الله وغيرهم، فيما كان هناك تيار آخر قاده نفسياً سيد قطب، وتلاه فى قيادته عدد كبير آخر منهم صديقه وزميله أنور المعداوي، ثم الشيخ أمين الخولى وعدد آخر بعده، وصولاً لعدد أصبح هو المهيمن الآن على المشهد، كان شعار هذا التيار هو أنه لابد وأن تكون لنا نظريتنا النقدية الخاصة والخالصة، وكأن الأمر نوع من التحدى فى أن نميز أنفسنا عن بقية الأمم والشعوب بأى شيء، والواقع أن ما نتج عن هذا التيار هو محض خلط وتشويه، ذلك لأنه أصبح فيما بعد لكل واحد منهم نظريته الخاصة، وهكذا تحولت النظريات إلى جزر منعزلة وسجون فردية لأفكار مثل الأجنة المشوهة التى لم تتغذ بصورة جيدة، وولدت قبل أوأنها، والحقيقة هذا سر ما نحن عليه من الضعف نقدياً وفكرياً.